الدكتور أحمد البغدادي يكتب: “لما الشِتا يدُق البِبان”

0

ـ فى تلك الأيام من يناير 2011م: كانت بعض العبارات كافية ـ وفى دقائق معدودة ـ لتوجيه الحشود الضخمة من طريق الكورنيش إلى شارع بورسعيد أو العكس… تبدأ المسيرات من ميدان مسجد القائد إبراهيم فى محطة الرمل. وتصُب مع دخول الليل: فى ميدان سيدى جابر. لم تمطر السماء يوما: كانت ترسل إلينا قطرات خفيفة باردة: ترطب وجوهنا وتربط على قلوبنا وتثبت الأقدام. ولذلك لم تتفرق جموعنا …… وبحسبة بسيطة: فإننا كنا نسير ثمان ساعات يوميا … أضف إليها ساعتين أو أكثر لسكان سيدى بشر وما بعدها ..
ـ كنا نرتمى على مقاهى سيدى جابر العريقة وأرصفتها.. بعض تلك المقاهى كان يستقبل زبائنه: بينما كان الزعيم (سعد زغلول) يشكل حكومة الثورة فى القاهرة سنة 1924م. إسكندرية تكتب التاريخ: ولكن على طريقتها!. إذا جلست فى مقهى عبد الكريم؛ وحدَثتك نفسك بالتزويغ: فإن الأرض ستنشق عن أحد عمال المقهى … وسيُطاردك بعباراته الساخرة: ” الحساب يا بتوع الثورة “. ولذلك كنت ـ ولا زلت ـ أفضل مقهى شكرى!. هل عرفت اليوم: الدور الذى قد تؤديه المقاهى وكثرة المشى فى فشل بعض الثورات!. ـ قابلت فى تلك الأيام صديقى الأستاذ (أحمد إبراهيم طلعت) المحامى. كان فى أجازة: عائدا من قبرص حيث يقيم. أخذنا الطريق الموازى للترام.. ومشينا ساعتين ـ تقريبا ـ متجهين إلى لوران.. كان يرى أن الثورة قد انتهت فى اللحظة التى نزلت فيها مدرعات الجيش إلى الشوارع. قال لى ” إذا أفلتت الثورة من الإخوان فلن تفلت من المجلس العسكرى “. وكنت متفائلا بقدرتنا على الإستمرار.. على الأرض كان شعار ” الشعب يريد إسقاط الرئيس ” قد أخد فى الذبول. كنا متأكدين من رحيله كلما استمر فى تعنته.. ولذلك كان بعضنا يهتف ” الشعب خلاص أسقط الرئيس .. الشعب يريد إسقاط النظام “. ـ لم يكن صديقى مُقتنعا بكلامى.. كنا قد اقتربنا من شارع الإسكندر الأكبر .. هنا كتب (أمل دنقل) قصيدته ” كلمات سبارتاكوس الأخيرة “.. تخيلت صديقى يرمى ذراعى التى كان يستند عليها إحيانا.. ورأيته يسرع إلى سبارتاكوس ومعه العبيد الذين خرجوا يطالبون بحريتهم .. على الطريق من روما إلى كابوا .. كانت الصلبان والمشانق معلقة .. وسمعته يُردد فى أسى: ” لا تحلموا بعالم سعيد .. فخلف كل قيصر يموت قيصر جديد .. وخلف كل ثائر يموت أحزان بلا جدوى .. ودمعة سدى “.
ـ فى ديسمبر 2011م وفى فندق شيراتون المنتزة: كنت أُلقى بحثى فى مؤتمر حقوق الإسكندرية: ” الثورة والقانون “. كان عنوان البحث: ” مصر والمجلس العسكرى، ملاحظات فى شرعية السلطة والتطور الديمقراطى فى مصر بعد ثورة يناير “. كنت أرى أن ” يناير ” شهدت حصول توافق ضمنى: بين الإرادة الشعبية وإرادة المجلس العسكرى. وعلى أساس هذا التوافق: نشأت الشرعية المؤقتة للمجلس العسكرى. كان أستاذنا المرحوم (د. عكاشة عبد العال): رئيسا للجلسة… وكان أستاذنا (د.محمد ديودار) ـ شفاه الله تعالى ـ متألقا كعادته فى مداخلاته وحواراته..
ـ فى الجلسة التالية للمؤتمر همس أحد أساتذة الحقوق فى أذنى: ” أين التوافق الذى تتحدث عنه .. هل الشعب كان عنده بديل آخر غير القبول.. عن أى إرادة تتحدث!”. تذكرت صديقى من جديد.. واسترجعت مسيرتنا فى شارع الإسكندر.. تركت شيراتون المنتزة ولم أستعمل غرفتى بالفندق.. كنت أحتفظ بالكثير من تفاؤلى.. ولكننى ما زلت عاجزا عن التمتع بأكثر أشكال الترفيه والراحة… ومازلت مؤمنا بأن السخان الذى يوفر لىَ الماء الساخن: هو النعمة التى لا يجوز لمثلى أن يطلب المزيد بعدها!.
على عيش وملح: نلتقى
#يناير_وموجاتها_الثورية 5

اترك تعليق