الدكتور احمد بغدادى يكتب : ” راح اللى راح “

خرجت يوم 28 يناير 2011م بحجة البحث عن إبنتى فاطمة. كانت قد سبقتنى كعادتها إلى الشارع. فى الشهور التالية: كنت أضبطها فى جوف الليل تبكى شهداء ” جمعة الغضب “. وقتها أدركت عبقرية الرافعى المؤرخ. كان عبد الرحمن الرافعى مشغولا بحصر أسماء الشهداء فى ثورة 1919. وكان يُناشد كل من عنده معلومة ليخبره بها. تعلمت أن الشهيد ليس مجرد رقم. إنه لحم ودم .. وحلم. وآمنت فى يناير أنه مشروع للتغيير. وأنه مثل عاشور الناجى: أول ” فتوة ” فى حارة نجيب محفوظ. عاش عاشور الناجى مخلصا ” للحرافيش “. لم تكن أى رائحـة قادرة على هزيمته. حتى عنـدما: ” تيسرت معيشته ولاحت فى الدهليز رائحة التقلية “.
ولذلك إذا كنت من هواة الأرقام. وكان لديك ثلاثة آلاف شهيد: فى ثورة 1919.. ومثلهم: بين شهيد ومصاب ومُختفى: فى يناير 2011.. فإنه عليك أن تقرأ هذا الرقم: ثلاثة آلاف مرة. هذه هى الوصفة التى قدمها لنا ذات يوم: أحد الرفاق من فلسطين. عمر هذه الوصفة من عمر: مذ بحة صابرا وشاتيلا. ذبح الصهاينة وحلفاؤهم فى بيروت: أكثر من ثلاثة آلاف عربى. استمر الذبح فى المخيمين ثلاثة أيام .. من 16 إلى 18 سبتمبر 1982م. لو كان شاعرنا كامل الشناوى حيا لأدرك على الأقل: كم يساوى الموت. كتب مصطفى أمين أن شاعرنا كان يزور المقابر فى آخر أيامه. كان يريد ” أن يتعرف على الجو الذى سيعيش فيه إلى الأبد “. هناك ناداه كامل الشناوى: ” أيها الموت أنا لا أخاف منك.. ولكنى لا أفهمك.. فمن تكون “.
منذ ذلك اليوم لم تنقطع زيارة الأحباب إلى مشرحة كوم الدكة.. يسألون عن مصير أبنائهم. كان منظر المشرحة مألوفا عندى. عشت أربع سنوات أخترق حدائق الشلالات .. فى طريقى من كرموز إلى كلية الحقوق فى الأزاريطة. ولذا كان يجب أن أمر على المشرحة. كانت تخترق أذنى ضحكات الحراس. ويجلجل صوت الراديو من داخلها: فيختلط بأصوات العصافير فى الصباح. لا تتعجب: إذا سمعت صوت عايدة الشاعر ينطلق من راديو بالمشرحة .. وهى تغنى رائعة الأبنودى: ” إفتح لى الشباك أنا أحب الهوى “. على بعد أمتار وعلى حدود كوم الدكة .. وفى مواجهة المطافىء والمجلس المحلى: كان يقف أشرس البلطجية. فى يناير وما بعدها. لم تكن تفلح معهم أساليبنا فى الكر والفر. كانت كل مواجهة معهم فى غير صالحنا. ظلت كوم الدكة قلعة حصينة أمام مظاهراتنا بعد يناير. تماما كما كانت قلعة عنيدة ونحن صغار. كنا نشد الرحال لنلعب الكرة فى أرض الأسعاف. وأدركنا بعد وقت قصير: أن الخناقات لن تنفعنا. وأنه يجب أن نحترم لأى لاعب يسكن فى كوم الدكة. داخل هذا الحى العريق وُلِد سيد درويش. وقع فنان الشعب فى حب الست جليلة. ولكنه ذاب فى الحب الأول للمصريين. حبنا الأول: التى غنى لها .. والتى خرجنا من أجلها: ” فى حبك إنتى يا حرية “.
توجهت إلى شارع الإقبال. كان العشرات يتوجهون إلى طريق الكورنيش للإنضمام إلى حشود المتظاهرين. فاجأنى فتى فى العشرين تقريبا. قال لى: ” إلحق يا فندى خد لك حاجة .. فيه حاجات كتير حلوة “. كان اللصوص ينهبون استراحة المسئول الأمنى بالإسكندرية. ولا أعرف حتى يومنا هذا: لماذا كنت محل عطف هذا اللص!. كنا فريقين: أحدهما يهتف ويتجه إلى البحر للتظاهر. والفريق الآخر يتجه بمسروقاته إلى قبلى السكة الحديد. فريقان يسير كل منهما فى عكس إتجاه الآخر. كان المشهد كما ترى: معبرا ومؤلما. فى الثورات: ستلاحظ مئات المشاهد. بعضها متناقض ومؤلم ومضحك. إنها جميعا من صنع شعب واحد. صنعتها فرشاة واحدة بألوان مختلفة. فى عام 1959م أقام الفنان صبرى راغب معرضا للوحاته. كانت هناك (117) لوحة. كلها تحمل وجه زوجته إيفون. ولكن كل لوحة فيها لم تكن تتشابه مع الأخرى!.
كانت أغلب أعمال النهب فى الداون تاون .. فى كارفور .. وحضانة السيارات التابعة لإدارة المرور. فى إحدى المناطق التابعة لقسم رمل ثان: كان المشهد عجيبا وفريدا. من الواضح أنه تم سرقة أحد محلات الخمور الشهيرة. إزدحم الشارع بالعشرات من البلطجية والعاطلين وأصحاب المزاج. كانوا لأول مرة: يشربون خمرا مستوردا .. ويمسكون زجاجات تناسب أذواق الوجهاء. شربوا كما لم يشربوا من قبل. وسكروا قبل أن ينتهوا من الحصيلة. وناموا وسط الشارع وعلى الرصيف!.
على عيش وملح: نلتقى #يناير_وموجاتها_الثورية 6

تم ايقاف التعليقات وسيتم فتحها قريبا