الدكتور قدري نوار يكتب : حنين

0

نظر من مكانه المفضل على أريكته الخرزانية بشرفته المطلة على ذلك الشارع الهادىء، حيث اعتاد أن يجلس فى هذا الوقت المبكر من الصباح ليحتسي فنجاناً من القهوة، يحرص على أن يعده بنفسه على تلك السبرتاية النحاسية العتيقة إلى تلك المرأة العجوز بالبناية الأنيقة المقابلة وهى تمارس نفس طقوسها الشبه يومية المعتادة، تفتح شيش شباك حجرتها، تمسك بدورق زجاجى، تفرغ أغلب ما فيه من مياه فى حوض الورود الملاصق للشباك بعد أن تنزع وريقات الحشائش التى تسللت إلى ورودها، بينما تقصف بمقصها كل الورود اليانعة تاركة وردة وحيدة، وتقوم بترتيب الورود فى الدورق، ثم تغلق شباكها وتعود أدراجها.
لا بد أن تلك السيدة قد أدركت بحسها مدى الفوائد التى تعود على ورودها من عملية التقليم الدورية هذه، وربما هى أيضا تحرص على أن تترك لنا مسحة من الجمال، لابد أنها قد تعلمت كل ذلك من تجاربها الحياتية السابقة، أم هى من الذكاء، أن تكون قد تعلمتها من تجارب الآخرين؟، هكذا كان يراها، يا هل ترى كيف كانت تراه هى وهما تقريباً فى نفس العمر؟، وكيف يراه الآخرون؟، وهو كيف يرى نفسه؟، وكيف يقيّم تجربته الحياتية؟.
أسئلة كثيرة راحت تدور فى رأس هذا العجوز، وتدور معه عيناه تبحثان عن بقايا جمال ما زال يتذكره، هنا كانت ﭬيللا “هنّو” بطرازها المعمارى الأنيق المستوحى من فن العمارة الأسيوية، بأشجارها الاستوائية العتيقة، ما زال يتذكر طعم ثمرة الباباز التى كانت تهديها لها مدام هنو فى كل عام، وهناك كانت ﭬيللا “شيكوريل” بطرازها الأندلسى الجميل، كان الشارع متحفاً معمارياً، لكن للأسف لم يعد هناك شىء من هذا، زحفت الأبراج الخرسانية القبيحة على المكان، وأفرغت الشارع من كل مظاهر الجمال، حتى من ضوء الشمس، ولم يعد يراها تشرق عن يمينه، ولا تغرب عن يساره، لم يعد ما يذكره بالماضى الجميل غير تلك المرأة العجوز ذات الأصل الأرمنى وبنايتها التى ما زالت ترفض أن تبيعها لمقاولى الثراء السريع رغم كل تلك الإغراءات.
هذا ما تبقى لك يا عبد المعطى، بضعة ذكريات، رحلت زوجتك عن دنياك، وهاجر ابنك الوحيد إلى أمريكا، فرغت حياتك، أين من بقى على قيد الحياة من أصدقائك؟، لم تعد لا ظروفك ولا ظروفهم الصحية تسمح بلقائكم، حتى نظير، عبقرينو الشلة، كما كنتم تطلقون عليه، لم يعد يتذكر شيئاً، وافرغ الزهايمر اللعين عقله الرياضى وذاكرته الحديدية من كل شىء.
إستهلكْت مشوار عمرك فى اللهث وراء أشياء كثيرة، كنت شاباً يافعاً فى كامل صحتك، إستهوتك حياة الليل، كنت وكأنك فى سباق مع الزمن، تسهر كثيراً وتنام قليلاً، غير مكترث بنصائح أقاربك وأصدقائك، وكان ردك الغريب، بأنك تعرف مدى قصر عمرك، وتود ألا يفوتك شىء فى تلك الحياة، لكنك عشت بعد أن استهلكت مخزون لياقتك البدنية، لم تعد قدماك قادرتان على حملك، وصار صديقك الوحيد الملازم لك هو عكازك.
ترك لك والدك ثروة هائلة، كنت الوحيد بين زملائك فى الجامعة الذى يمتلك سيارة، وكان الجميع يتسابقون على صداقتك، وامتلأت حياتك بالفتيات والسهرات، كنت تشرب يومياً حتى الثمالة، وتعود للڤيللا بعد أن تفرغ كل ما فى جيبك من نقود، حتى ما كنت تشربه كنت تفرغه من معدتك يومياً فى الشارع وأنت تتلوى.
لم تغير أسلوب حياتك، حتى بعد أن تزوجت متأخراً من تلك السيدة الفاضلة التى استنفذت معك كل الطرق من أجل أن تقلع عن الشراب وتكف عن السهر دون جدوى، وازدادت الفجوة بينكما يوماً بعد يوم، ظللت على عنادك، وكنت مصراً كما كانت تقول لك، أن تستهلك كل طاقاتك المادية والذهنية، ورحلت هى، وهاجر ولدك، ونفذ رصيدك البدنى والمادى، ولم يتبق لك سوى هذه الڤيللا، وبقايا ذكريات زمن فات.
أمسك الرجل بمقبض الكنكة، وأفرغ القهوة بفنجانه، ورفعه بيده، وارتشف منها الرشفة الأولى والأخيرة ومال برأسه للخلف على جدار الشرفة، وسقط الفنجان من يده.

د.قدرى نوار

اترك تعليق