الدكتور قدري نوار يكتب : بيسو التليفزيونى

0

ساقتنى الأقدار لزيارة غير مرتبة لجمهورية بيسو، حيث كنت عائداً من زيارة للواحات، وتعطلت بي السيارة، وكان لزاماً علىّ أن أبحث عن ميكانيكى لإصلاحها، وأخبرنى أحد سائقى النقل، بأن الميكانيكى الوحيد فى المنطقة هو الأسطى بيسو، وهو موجود فى جمهورية بيسو، التى تقع على بضعة كيلومترات من مكانى على الطريق الواصل بين الواحات والجيزة، وقام الرجل مشكوراً بربط سيارتى بسيارته، وأوصلنى لوجهتى.
كنت قد منيت نفسى بأن الموضوع لن يستغرق سوى ساعة على أكثر تقدير، وأستطيع بعدها مواصلة رحلة العودة، ولكن الأسطى بيسو صدمنى بالحقيقة المرة:
– طيب يا هندزة، الماتور كدة فوّت لا مؤاخذة، ولازم له عَمرة، والموضوع ده ح ياخد منى أسبوع شغل.
– يعنى أسيب لك العربية، وأروّح، والا أعمل أيه، انا غريب وما اعرفش حد هنا.
– طيب بص، ح آجى على نفسى واخلصهالك انشاء الله بعد تلات أربع أيام بكتيره، وما تشيلش هم.
كان الأسطى بيسو أثناء حديثه معى، يصفع صبيّه بلية على قفاه عمّال على بطّال فى كل مرة يطلب منه شىء، أو حتى حين يمر من أمامه، ولما لاحظ مدى انزعاجى قال لى:
– أصل ده لا مؤاخذة لو ما اترزعش على قفاه مش ح يتعلم.
الغريب أن ملامح الرضا والسعادة، كانت تظهر على بلية مع كل قفا، ولما ناوله الأسطى بيسو بالشالوت، قفز صائحاً:
– يسلمك سن جزمتك يا اسطى، أهو كده الواحد نفسه تتفتح للشغل.
واستسلمت لحكم القدر، ودلنى الرجل على لوكاندة متواضعة، وأرسل معى صبيّه ليوصلنى، وعرفت منه أنها اللوكاندة الوحيدة فى المنطقة، وكان الفتى لا يكف طيلة المسافة التى قطعناها على أن يعدد مزايا تلك اللوكاندة، ويركز على أن أهم تلك المزايا على الإطلاق، أن باللوكاندة تليفزيون.
أخذت دشاً دافئاً، وتناولت بعد الساندويتشات التى كنت مازلت أحتفظ بها، ورحت أتابع برامج التليفزيون، الذى كان قد بدأ ساعات البث لهذا اليوم، وأنا أغالب النعاس من فرط التعب.
كانت البداية، القرآن الكريم، وآيات من الذكر الحكيم، تلاها درس دينى يقدمه الشيخ بيسو،،،، يا للهول، إنه الأسطى بيسو بلحمه وشحمه، وكل ما فعله هو أنه ارتدى عمامته على عجل، ونسى، أو تناسى أن يخلع العفريتة الزرقاء.كان الرجل يتحدث ضارباً بقواعد اللغة العربية عرض الحائط، ناهيك عن صوته المزعج الذى يشبه إلى حد كبير صوت الشاكمان المكسور.
كل ذلك كان يمكن تحمله، ولكن ما فاق الحد فعلاً، هو أن الرجل لم يكن يحفظ لا آية واحدة من القرآن الكريم، ولا حتى حديثاً واحداً للرسول الكريم، صلوات الله وسلامه عليه، وكان كل ما يستطيع قوله للخروج من هذا المأزق هو جملة ” فيما معناه “، فهو مثلاً عندما تطرق للحض على التعاون بين البشر، قال:
– يا افندية مفيش أحلى من التعاون، وقال السلف الصالح، فيما معناه ” القفة ام ودنين ، يشيلوها اتنين “،،،ولما لاحظ عامل النظافة الموجود بردهة اللوكاندة مدى اندهاشى، وأنا أسائل نفسى ” مش ده الميكانيكى؟ “، تدخل ليزيح عن كاهلى عناء الاستغراب:
– أيوه يا باشا هوّ.
– بس ده لا فاهم ولا حافظ ولا عارف حتى يقرا.
– ما هو بيقرا عافية.
– ليه يعنى؟، مفيش غيره؟، والّا ماسك ذلة على الناس؟.
– زى ما تقول سعادتك كده هوّ الميكانيكى الوحيد هنا، ولما فكروا مرة يإلشوه من التليفزيون، حَرَن، وما رضاش يصلح لحد منهم عربيته.
– على كدة بقى ميكانيكى شاطر، والّا واخدها برضو بالدراع؟.
– لا الشهادة لله شاطر، بس ما لوش طقطان ع الشغل، يعنى لازم تقف على إيده علشان يخلصك، ده إذا لقيته فى الورشة من أساسه.
– على العموم هوّ قال لى ح يخلصنى بعد تلات اربع أيام بكتيره.
وهنا أطلق الفتى ضحكة مدوية، وكاد أن يسقط على الأرض غارقاً فى ضحكته، وأشار لرجل عجوز يقف فى مواجهة الجدار، وظهره لنا، ممسكاً برجل كرسى مكسور، ملوحاً بها، وكأنه يقود فرقة موسيقية وهمية، ويغنى:
– ما خلاص خدت الزومبة،،،،، شهرين مستنى طرُومبة.
كم كان هلعى عندما عرفت أن الرجل المسكين الذى ذهب عقله، هو ضحية من ضحايا الأسطى بيسو، وأنه مازال منذ شهرين فى انتظار إصلاح عطل بطلمبة بنزين سيارته.
طار النوم من عينى، وارتديت ملابسى على عجل، وتوجهت صوب ورشة الأسطى بيسو، لفت نظرى هذا الزحام الشديد أمام الورشة المغلقة، والمعلق عليها لافتة تشير إلى اعتذار الدكتور بيسو، أستاذ الكبالن، واستشارى أمراض الرادياتير عن مواعيد اليوم لظروف انشغاله فى تسجيل بالتليفزيون، وبالطبع كان كل المتزاحمون زبائناً مثلى.
عدت أدراجى مرة أخرى للوكاندة، ولم أجد ما يمكن أن أنشغل به مرة أخرى سوى التليفزيون، كانت مباراة كرة قدم مملة بين فريقين عرفت بعدها أنهما أهلى وزمالك جمهورية بيسو، وكانت المفاجأة هى أن الخبير الذى يستضيفه ستوديو تحليل المباراة، هو الكابتن بيسو، كان كل ما فعله الرجل من تغيير لمظهره هو أنه خلع العمامة، وارتدى جاكيت بدلة تدريب فوق العفريتة الزرقاء.
صال الكابتن بيسو وجال وهو يحلل أحداث المباراة، وكان واضحاً للعيان أنه ينتمى للفريق الأبيض، وحمّل حكم المباراة أسباب الهزيمة، وشن عليه هجوماً قاسياً:
– الحكم ده لا مؤاخذة واضح إنه واكل، إزاى يحسب بلانتى على الأبيض علشان قال أيه الباك حمو خرابة، شنكل المهاجم بيصا النِوَرى، ورّونى بقى الدم اللى نزل من بيصا كده، مفيش ولا نقطة دم، وبعدين شنكلة ايه ولا مؤاخذة اللى تتحسب فاول دى، يعنى يسيبه يجيب جون؟، مفيش رجولة؟، مفيش نخوة؟، ده واحد سايب الملعب كله فاضى، وجاى يرمى بلاه على خلق الله فى بيتها، ثم إن الخلق طول النهار بتتشنكل من البلاوى المرمية فى الشارع، ومن الرُصفان اللى ما يقدرش يطلع عليها غير بهلوان، وما شوفناش لا حد اشتكى، ولا حَكَم حسب فاول على المحافظ.
أغلقت التليفزيون، وأخذت قرصاً منوماً وقلت لنفسى إن النوم هو السبيل الوحيد للخلاص من هذا البيسو الذى يطاردنى.لم أعرف نمت كم من الوقت، لكننى صحوت فجأة وقد خيل لى أن كابوساً يداهمنى، إستعذت بالله، وأفقت على مفاجأة مذهلة، كانت الأصوات التى ظننت أنها كابوساً، ما زالت تصل إلى مسامعى من جهاز التليفزيون الموجود فى آخر ردهة اللوكاندة، فركت عينى، وتأكدت بنفسى عندما فتحت تليفزيون الحجرة،،،،،، يا ربى الأسطى بيسو قد خلع بدلة التدريب وارتدى بالطو أبيض وغطى رأسه بطرطور أبيض، ويقدم حلقة من برنامج ” مع الشيف بيسو “:
– النهاردة ح نعمل لكم عجة بيبسو،،،المقادير، شيكارة دقيقة 20 كيلو،،، 138 بيضة،،،، ربع قيراط بقدونس،،،،، ورقتين ملح،،،،،،،،،. وبدأت الصوت يختفى رويداً رويدا، وبدأت اشعر بدوخة.
” أنا فين؟ “، هكذا قلت عندما فتّحت عينى، ورأيت فتاة رقيقة ترتدى زى الممرضات بجوارى،،، وردت الفتاة برقة وهى تمسك بيدى:
– حمد لله على السلامة، حضرتك فى المستشفى، أزمة وعدت، وعملنا لك عملية صغيرة، والحمد لله بقيت زى الف.
– عملية أية، ومين اللى عملهالى؟
– عملية مرارة،،،، ولم تكمل الفتاة، واشارت بيدها لدكتورغريب المنظر، دخل لتوه من باب الحجرة، يضع سماعة الكشف حول رقبته، ويرتدى بالطو ابيض فوق عفريتة زرقاء،،،، وصرخْت بأعلى صوت:
– بيسو تاااااانى لأ لأ لأ.

اترك تعليق