الدكتور قدري نوار يكتب : بيسو الحاوى

0

كان بيسو مبهوراً بآداء عم عثمان الحاوى، وقد التف حوله الصبية فرحين بما يأتى به من ألعاب سحرية، وازداد انبهار بيسو عندما انتهى عم عثمان من فقرته، وبدأ يدور على المتفرجين بقبعته، وقد امتلأت بالنقود، هذا غير ما جادت به النسوة مما أعطاهن الله من مأكولات، كن يبعثن بها للرجل عبر السلال المدلاه من شرفات منازلهن.
سأل بيسو نفسه:
– والله شغلانة عِنب، وماهيش كيميا، والواحد لو ركز شوية، ح يعمل اللى بيعمله عثمان، وتلات أربع طلعات من دول فى الجمعة، ح يغنونى عن الشقا اللى انا فيه.
وقد كان، راح بيسو يصاحب عم عثمان فى كل جولاته، بعد أن أقنع الرجل العجوز بضرورة أن يكون له فتوة يحميه من رزالات بعض المتفرجين، ويشاركه فى حمل متاعه نظير ما يجود به عليه، ورويداً رويداً، بدا الرجل العجوز يشركه معه فى بعض الألعاب، ويبوح له بسر ما يمتلكه من خدع بصرية، ولم يكن يدرى أن بيسو يضمر فى نفسه أمراً آخراً.
بعد أن خيل لبيسو أنه قد شرب الصنعة، قرر الرجل أن يخوض التجربة بنفسه، وكوّن جوقته من حفنة من المشجعين مدفوعى الأجر، وعازف مزمار بلدى لا علاقة لأُذنه بالموسيقى مطلقاً، ولا يجيد حتى مجرد النفخ فى مزماره، ويبقى حظك اسود لو وقفت بجانبه أثناء العزف، لأنه ببساطة، ح يحَميك تِفافة، وكل مؤهلاته أنه من فصيلة بيسو العازف، بالإضافة إلى طبّال غلبان، شغلته الأساسية مسحراتى، ويادوب همّ النغمتين اللى حافظهم، اللى بيسحر بيهم خلق الله فى رمضان على الصفيحة المصدية المتطبقة من كُتر الهبد عليها.
إختار بيسو الفسحاية المقابلة لقهوة الكابتن بسطاوى فى الحضرة البحرية مكاناَ لبدء نشاطه، وبعد مقدمة إستهلها بالبسملة، والصلاة والسلام على أجدع المرسلين ” هكذا نطقها بيسو “، بدأ فى بعض الحركات البهلوانية والشقلباظات على سبيل التجديد، ومش عارف أيه العلاقة بين ألعاب السيرك، وبين شغل الحاوى، وتلى ذلك استعراض مهاراته فى تحويل المنديل الملموم فى يده إلى حمامة، موهماً المتفرجين بأنه يقدر يطيرها ويرجعها تانى منديل بعون الله، وكان قد خبأ الحمامة المسكينة فى كمه، وما صدقت طارت واستقرت على الغيّة المقابلة لمقهى الكابتن بسطاوى، ووقف بيسو يستعطفها، ويرجوها الرجوع وهو يغنى لها ” إرجع إلىّ إلىّ إلىّ،،،، قلبى أوسع من ميت غيّة “.
تأتى خالتى أم الكانّى مسرعة باتجاه بيسو، وفى يدها فردة شبشب، وعلى رأسه، واللى ما يشترى يتفرج، وهى تضرب بمزاج،،،،،،، ” وانا بقالى ليلتين أدوّر على الحمامة، واتاريك سارقها، وشايفاك يا ابن الموكوسة وانت بتطلعها من كًمك “، هكذا كان تصيح المرأة العجوز، وسط هيستريا من ضحك الجميع، وأصبحت فضيحة بيسو فى الحتة بجلاجل، وكان لابد له أن يبحث له عن مكان آخر يمارس فيه عمله الجديد.
نزح بيسو بجوقته إلى مكان آخر أمام قهوة المعلم حمامة فى دوران عزبة سعد، عملاً بمقولة والده الراحل المعلم حمّو ” البلد اللى ما حدش يعرفك فيها،،،، إقلع ملط وامشى فيها “، وقرر إجراء بعض التغييرات الطفيفة فى البرنامج بدأها بفقرة محاولة تعويم الجنيه المعدنى على سطح الماء فى كوب استعاره من قهوة المعلم حمامة، وطبعاً غرق الجنيه، وغرق المتفرجين فى الضحك لما بيسو برر فشل الفقرة:
– فرحانين قوى وبتضحكوا، وأيه يعنى لما يغرق؟، ما محافظ البنك المركزى غرّقه وغرّقنا كلنا معاه، ما حدش يعنى فتح بقه.
كانت قمة التراجيديا عندما أخذ بيسو ساعة المعلم حمامة ليقدم بها فقرة وسط توسلات الرجل:
– أبوس إيد أمك سيبها.
– ما تخافش يا معلم دى فى رقبتى.
– وحياة امك لو جرى لها حاجة، لأقصف رقبتك، دى هدية من ابويا اللى يرحمه.
قام بيسو بلف الساعة فى منديل، واستدعى أحد العمال الذى تصادف وجوده بالشارع لتكسير الأسفلت لكى يضرب بمطرقته على الساعة، وكاد قلب المعلم حمامة أن يتحطم خوفاً على ساعته وسط طمـأنة صديقه المعلم بيصا:
– ما تخافش يا حمامة، ده بيبقى مبدلها بساعة تانية شايلها فى كمُه، وساعتك فى جيبه أكيد.
هوب، نزل العامل بمطرقته على الساعة دغدها، ووسط مؤثرات موسيقية تشويقية، وفتح بيسو المنديل ليرى المتفرجون حطام الساعة، ثم هيلا هوب ، وقرّب قربّ شوف المعجزة، ومد بيسو يده بخفة يد واستخرج الساعة من جيبه يقدمها للمعلم حمامة، ولكن أتت الرياح بما لا تشتهى السفن.
نظر المعلم للساعة، وقال لبيسو:
– أيه ده يا ابن الهرمة، كسرت لى ساعة جوفيال أصلى، وجايب لى ساعة صينى فالصو، ده انا ح ادبحك.
كان بيسو قد نسى أن يبدل الساعة قبل تحطيمها، ولم يجد أمامه مفراً سوى الجرى، والمعلم وكل المتفرجين وراه، ولا تسمع سوى ” إمسك حراااامى “.
كانت آخر تجربة لبيسو فى مجال الحواة، هو ما حدث فى مولد سيدى ابو العباس. ذهب بيسو إلى ساحة المسجد ببجوقته ولسان حاله يقول ” دى مولد يا ابا، وما حدش هارش حاجة “، وقرر أن يقدم فقرة مختلفة.
كان بيسو برغم انبهاره من قدرة عم عثمان الحاوى على ابتلاع النار، يقلل من ذلك بينه وبين نفسه، ويزعم أنه يستطيع أن يلعب نفس اللعية بقدر أكبر من الإجادة.
بعد المقدمة والذى منه، والذى كان أهمه وأغربه ما قاله ” وعلى رأى سيدى ابو العباس المرسى صلى الله عليه وسلم،،،، النار ما بتحرقش مؤمن “، وراح بيسو بالع كرة قماش مشتعلة كانت فى الأصل قميص نوم ام باتعة، وسرقها من على حبل الغسيل، وربطها فى عود شجر كازورين ناشف، وقفل بُقّه، وصرخ صرخة طفش منها السمك اللى فى البحر الميت فى ابو قير، وراح رامى فرع الكازورين اللى مسكت فيه النار فوق خيمة من خيام الطرق الصوفية.
النار مسكت فى الخيمة، والحريقة شعللت، وبيسو مرمى فى الأرض بيصرخ، ولما وصلت المطافى، جرى على الشاويش وفتح بُقّه وقال له:
– وحياة أبوك رشة هنا الأول، طفّى الحريقة اللى فى جوفى.
د.قدرى نوار
القشاش

اترك تعليق