الدكتور قدري نوار يكتب : بيسو طوارىء

1

“هذا وقد أعلن الحاكم العسكرى العام حالة الطوارىء فى البلاد”، كنت طفلاً إبن الخامسة من عمرى، عندما سمعتها من مذيع الراديو العتيق المعلق على رف خشبي فى ردهة منزلنا القديم، وأحسست بفرائضى ترتعد عندما سمعت المرحوم والدى، يتمتم بصوت خفيض، وهو يرفع يديه إلى السماء ” اللهم ارفع مقتك وغضبك عنّا”، وازداد خوفى عندما خرجت المرحومة أمى من المطبخ على صوت المذيع وفي يدها مخرطة الملوخية، وتوجهت صوب والدى وهو يقول “يا رب جيب العواقب سليمة”، وتساءلَت فى لهفة “فيه أيه يا حاج، كفا الله الشر؟”، وتعلقت باكياً فى جلبابها.
وايقنت حينها أن هناك مصيبة، وأن حجمها فوق التصور، وكرهت كلمة الطوارىء، وكرهت معها كل ما يمت لها بصلة بدءاً من الظرف الطارىء وحتى طارق ابن عمتى الذى كان فى صغره، يخطف منى الساندويتشات ويضربنى بمناسبة وبدون بمناسبة، وازداد كرهى له بعدما كبرنا وصرنا شباباً بسبب تلك الفانلات “المونتوجو” اللعينة التى كانت تغدق عليه بها خالته ظاظا من ليبيا فى كل زيارة، وكان يحلو له أن يرتديها مع صنادله البلاستيكية العجيبة.
مرت الايام واستقر بي المقام فى جمهورية بيسو، وكان لى الحظ أن أرى لوناً آخر من حالات الطوارىء، إستطاع أن يغير لى كل فكرتى السابقة السيئة عنها، وبِتُ أعشقها، وأعشق كل ما هو طارىء، للدرجة التى جعلتنى لا شعورياً أملأ كل جنبات البيت بصور طارق ابن عمتى، ولا أخلد إلى نومى قبل أن أهاتفه وأطمئن منه على مخزونه من الفانلات المونتوجو والصنادل البلاستيكية.
إستيقظت من نومى مبكراً على جلبة غير عادية فى الشارع فى هذا الوقت الغير معتاد، وسمعت صوت جارى الأستاذ عبد المولى يتهلل فرحاً “الله أكبر، مش قلت لك يا عديلة، ح تتعدل وتبقى فل”، وتبع ذلك سيل من زغاريد عديلة وجيرانها، وكان لى أن أنهض من سريري مسرعاً بعدما سمعت صوت عبد المولى يأمر زوجته بسرعة فتح التليفزيون، ترى ماذا حدث؟، رحت أتساءل وأنا أبحث عن الريموت كنترول، وأدرت الجهاز وعرفت من نبأ عاجل بإعلان حالة الطوارىء وفرض حظر التجول فى عموم جمهورية بيسو، ونظرت إلى ساعتى، وكان عليّ أن أسارع بارتداء ملابسى والخروج لأبتاع احتياجات المنزل، فقد أزف وقت حظر التجول، ولم يتبق عليه سوى ساعة واحدة فقط.
“إعمل لك همة والنبى يا اسطى، عايز الحق ارجع قبل الحظر”، إبتسم سائق التاكسى عندما قلت له ذلك، وأشار للشارع قائلاً “حضرتك شايف يا باشا الشارع واقف، والناس كلها نازلة”، ولفت نظرى الشباب الملوح بالأعلام من السيارات وهتافاتهم عندما مرت بجوارهم حافلة تقل عدداً من الأشخاص يرتدون ملابس تدريب رياضية، واستطعت أن أتبين فيها كثيراً من الوجوه التى أعرفها ومن ابرزها الكابتن روما الأعرج مدرب فريق نادى بيسو جالساً فى المقعد الأمامى رافعاً يده بعلامة النصر.
عرفت من السائق أن اليوم المباراة الإفتتاحية بين نادى بيسو ونادى حمّو فى دورى الحظر ولمّا أبديت دهشتى، وتساءلت كيف هذا وهناك حظر للتجول بعد أقل من ساعة، كان جواب الرجل “مشّى حالك يا أستاذ، وما تدّوقش”، ونزلت من التاكسى لأرى الأعجب.
دخلت المتجر وابتعت كل احتياجاتى، ولفت نظرى أن كل المقاهى والمطاعم مزدحمة ازدحاماً فوق العادة، وأن فرحة عارمة تبدو على الجماهير فى الشوارع، وشدتنى زفة لعروسين فى منتصف الشارع أنستنى أن توقيت حظر التجول قد آن، كان بيسو يقودها، عارى الصدر، مرفوعاً على الأعناق، يغنى ضارباً على دُفِّه، ويرد عليه رفاقه العارين “والحظر حظرى،،،،، حظرى،،،،، ما انا بيسو عصرى،،،،، عصرى”، واكتملت الفرحة فى الشادر المقام فى الشارع فى نهر الطريق تحت إشراف أمين شرطة الذى قاد دراجته البخارية أمام العروسين فى حركات بهلوانية، وشاركت الفتيات فى ملابس السهرة العروسين رقصاتهما على أنغام المزمار البلدى.
كانت ليلة جميلة استمتعت فيها بحميمية علاقات صداقة دافئة أقمتها مع كثير من أناس طيبين فى الشارع، أكلنا وشربنا فيها سوياً، وعرفت منهم أنهم يواظبوا على حضور فعاليات حظر التجول يومياً، وقادتنى الصدفة للمشاركة فى مظاهرة شعبية حاشدة تحت شعار “مليونية جمعة الحظر”، تعالت فيها هتافات الجماهير “الشعب يريد استمرار الحظر”.
توقفت حافلة سياحية أمام الفندق المجاور لمسكنى، ونزل منها مرشد سياحى ومجموعة من السائحين الأجانب حرصوا على التقاط صور تذكارية مع المتظاهرين، واقترب منى أحدهم، يبدو على ملامحة ولكنته أنه يونانى وسألنى “خبيبى هو مس فيه هزر تجول، إزاى ناس مسيتوا فى سارع؟”، ووجدت نفسى أقول له بعفوية “مشّى حالك يا خواجة، وما تدّوقش”.
د.قدرى نوار

تعليق 1
  1. mkannoush يقول

    كل عام وانت بخير يابيسو يامبدع.
    مزيدا من التألق والإبداع.
    أخوكم الحاج/محمد كنوش

اترك تعليق