الدكتور قدري نوار يكتب : زي القرع

0

منذ نعومة أظفاري، وأنا مبهورٌ بخالي الأستاذ سليم الشافعى، المحامي الشهير، أدمنت حضور مرافعاته التي كانت وبحق مقطوعات أدبية غاية في البلاغة، ومازالت أحفظ الكثير منها، وكم كان يحلو لي وأنا طفل فى مقتبل عمرى، أن أتسلل إلي حجرته في منزل جدي الحاج شفيق الديب، وأختلس روب المحاماة الخاص به في غيابه، وأرتديه، ويحملني والدي لأقف علي الطاولة أمام أصدقائه مشيراً بإصبع السبابة، ناظراً لأعلي وأقلده مستعيراً بعض عباراته الرشيقة، ويضحك الأصدقاء ، ويزداد زهوه بي أمامهم.
لم يكن خالى سليم مجرد محام عادى، يسعى إليه موكلوه فيقبل ما يعرض عليه من قضايا، ولكنه كان ينتقى ما يستهويه منها، وكثيراً ما كانت تستهويه قضايا الرأى العام، وخاصة تلك التى يكون الحكومة طرفاً فيها، فقد اختار أن يعيش عمره كله فى خندق المعارضة.
أعطى ذلك الفرصة لكثير من القنوات الفضائية أن تتهافت على خالى الأستاذ سليم، وتسابقت على استضافته مرات لإبداء الرأى القانونى فى قضايا مطروحة على ساحة القضاء، وأخرى للغوص فى بحر الذكريات، والحديث فى تاريخ المنطقة، فالرجل كان ولا يزال من أعظم حكائى العصر، ويعتبره الكثيرون جبرتى العصر الجديد، هذا فضلاً عن كاريزما خاصة، مازال يتمتع بها متحدياً سنوات عمره الستين، جعلته معشوق الجنس اللطيف.
كثيراً ما كان يتظاهر خالى بأنه لا يحب الأضواء، ولا ما تجلبه من ضوضاء، وأنه يحلم باليوم الذى يتقاعد فيه عن العمل، ويذهب ليستمتع بالاسترخاء فى منزله الريفى، لكننى أثق جيداً أنه لن يقوى على ذلك، فهو يعشق العمل، وفوق ذلك، فالرجل يهوى أن يكون دائماً محط أنظار الجميع، وموضع إطرائهم، هذا يثنى على أناقته، وذاك يمتدح سيجاره الكوبى الفاخر، وتلك تبدى إعجابها بشعيرات رأسه الأبيض الثلجى.
كان كل ذلك يخلق جواً من الازدحام فى حياة خالي بالدرجة التى جعلته يعزف كثيراً عن قبول قضايا يراها غير ذات قيمة، مما كان يجعل الكثير من الأقرباء والأصدقاء يسيئون الظن به، إعتقاداً منهم أنه يفضل أن يقدم خدماته للغرباء فقط، ومازالت كلمات جدى ترن فى أذنى، وهو يرد على شكوى جدتى منه لعدم تحمسه للدفاع عن شكوكو ابن جارتنا فوزية، الذى ضبط متلبساً بسرقة دكر بط من عشة أم كواسة “ما انتى عارفة انه زى القرع”.
أعترف بأننى كنت أشعر أحياناً ببعض الضيق من مثل هذه التصرفات، وربما كان أحد أسباب ذلك ماحدث معى، حينما سحب أحد ضباط المرور رخصة قيادتى لخطأ ارتكبته، ولما قصدت مكتبه، ووعدنى بأن يحل لى المشكلة، ومر أكثر من أسبوع، ولم يحدث شىء، وشكوت الأمر لوالدتى رحمها الله، بعد أن شاهدته ضيفاً فى برنامح حوارى بصحبة أحد لواءات الشرطة يتحدث عن الجوانب السلبية فى قانون المرور، فردت هى الأخرى “ما انت عارف إنه زى القرع”.
لم تنتقص كلماتهم فى حق خالى من إعجابى به، بل وزاد هذا الإعجاب مع مرور الوقت، ودفعنى للالتحاق بكلية الحقوق، وظل أمل أن أصبح فى يوم من الأيام مثله يراودنى، وتم لى ما أردت، والتحقت للعمل بمكتبه الأنيق، وكانت هذه فرصة عمرى لتحقيق هذا الأمل، والتصقت به، وكانت فرصة جيدة أيضاً لخالى ليزيح عن عاتقه عبء تلك القضايا والخدمات البسيطة، وخاصة تلك الخاصة بالأقرباء والمعارف، ويحيلها إلىّ.
كان الأستاذ عماد جبر، زوج خالتى، هو أحد هؤلاء المعارف الذين أحالهم علىّ خالى متأففاً فى مكالمة هاتفية “بص عمك عماد جبر جاى لك، تولاه انت وخلَّصه من غير ما تدخلهولى، مش ناقص صداع”.
يا إلهى، كم أكره هذا النوع من القضايا المملة التى تحتاج لمجهود عضلى أكثر منه ذهنى، فهى قضية مطالبة بالحصول على بدل إجازات بعد التقاعد، وتتطلب التردد على مكاتب مديرية الشئون الاجتماعية، التى لا أطيق مبناها ولا أطيق موظفيها، ولا حتى أطيق عم عماد، الذى أصبح من برنامجه الثابت، المرور علىّ فى المكتب كل اسبوع تقريباً.
أكره شهر مارس بجوه الخماسينى المترب، وطقسه المائل للحرارة، وضاق صدرى فى هذا اليوم الخانق من كثرة ما استنشقته من عوادم السيارات خلال مسيرة استغرقت منى ساعة ونصف بالتمام والكمال، قطعتها من المحكمة حتى المكتب ماراً بكورنيش الإسكندرية الذبيح، وبمجرد دخولى المكتب حتى زاد شعورى بالاختناق حين عرفت من السكرتيرة أن عم عماد موجود فى انتظارى بمكتب الأستاذ سليم .
كان الضجر واضحاً على خالى المتظاهر بأنه يشارك عم عماد فى ضيقه من تأخرى فى متابعة قضيته، رغم أنى متأكد تماماً بأن سبب وجود عم عماد نفسه هو الدافع الوحيد لهذا الضجر.
“إنت مزعّل عمك عماد مننا ليه؟، أنا مش قايل لك سيب اللى فى إيدك تماماً واتفرغ لقضية عمك عماد؟”، قالها خالى فى آداء تمثيلى رائع ذكرنى بالمرحوم كرم مطاوع، وحاولت أن أتظاهر بالامتثال للأمر، وأومأت برأسى، وكتمت ضحكة كادت تخرج منى عندما استرسل خالى “معلش يا عماد، أنا مش عارف أعمل أيه مع الأفندى ده، أصله يا سيدى زى القرع، ما اعرفش طالع لمين”.

اترك تعليق