الدكتور قدري نوار يكتب : مأساة الدولفين

0

كُتب علي الصغير أن يعيش موصوماً بالعار للأبد نتيجة ذنب لم يرتكبه، وجرم لم يكن له فيه لا ناقة ولا جمل، فماذا كان له أن يفعل وهو لم يكن يومها قد تخطى أسبوعاً وحيداً من عمره عندما وجد نفسه ملفوفاً فى قطعة من قماش بالكاد تدراى عورته الوليدة، وملقاً فى هذا الطقس الزمهريرى أمام المسجد الكبير على شاطىء البحر الميت، وإلتقطت هذا اللقيط المسكين يد ولعة الحاوى، وكأنه جاء له هدية من السماء، فالرجل لم يهبه الله ذرية ترث مهنته، وحفيت قدماه بحثاً عن علاج دون جدوى.
تعهده الرجل بالرعاية، ووفر له قسطاً لابأس به من التعليم ضمن له القدرة على القراءة والكتابة، وإجراء العمليات الحسابية الضرورية، لكن شيئاً ما بقى فى صدر الصغير، لم ينس مطلقاً كيف كان زملاؤه فى المدرسة يعايرونه بأنه لقيط، صحيح أنه لم يعد يذهب للمدرسة، وتخلص من رزالاتهم ، لكن كيف له أن يفعل مع الجيران، فالكل يعرف قصته، وكان ما يحزنه أكثر ويدمى قلبه هو سؤال كثيراً ما تبادر إلى ذهنه، واقتحم عليه خلوته، وأيقظه من سباته، وهو “أنا ابن مين؟”، وكانت تنتابه نوبات بكاء هيستيرى إذا تصادف ورأى أغنية للعندليب الراحل، أو مشهداً تمثيلياً للمرحوم عماد حمدى وتذكر رغماً عنه مشهدهما الشهير سوياً فى فيلم الخطايا.
لكن الفتى عاش على أمل واحد، وجال به فى الخيال حلم واحد، وهو أن يشهد ذلك اليوم الذى تظهر له فيه عائلة، وينعم بدفئها كسائر الأطفال، فرغم أن ذلك الحاوى الطيب الذى رباه، وهو يعترف بينه وبين نفسه بأنه يدين له بالفضل، لم يبخل عليه مرة فى أى أمر، لكن ما أضناه هو التجول معه فى الأسواق، وتقديم تلك الفقرة الثابته التى ملّها؛ القفز من طشت المياه فى الهواء أمام المتفرجين، ثم الانحناء لهم، والمرور عليهم بقبعته بعد انتهاء فقرته، ليضع فيها كل منهم ما يجود به من قروش قليلة عليه وعلى الحاوى.
كان الصغير ينتظر قدوم يوم الجمعة بفارغ الصبر، فهو يوم الأجازة الذى يخرج فيه مع أصدقائه سباحة من خليج أبى قير حتى خليج ستانلى، ويلهون سوياً، ولا بأس من الحصول على وجبة مجانية يلقيها لهم أصحاب الكافتيريات المنتشرة على الخليج، وبضع قروش من المصطافين نظير بعض ألعابهم البلهلوانية المسلية، كان له فيها دائماً النصيب الأكبر باعتباره نجم تلك العروض.
مرت السنون، وشب صاحبنا عن الطوق، وصار شاباً فتياً مفتول العضلات، أنيق المظهر، تتهافت إناث الدولفين والأسماك الأخرى على صداقته، ودق قلبه لمحبوبته التى كانت تقطن فى مساكن الضباط بمصطفى كامل بالإسكندرية، وكان يقطع المسافة من منزله بأبى قير إلى هناك ليراها كل أجازة، كانت أسعد لحظات حياته حينما يتلامسا ويتهامسا على سور الكورنيش.
لم يصدق عينيه عندما قرأ إعلاناً فى جريدة الأهرام “مطلوب ذكور دولفين للعمل فى مارينا الدولفين برشدى بمرتبات مجزية”، فقد جاءته الفرصة ليتخلص من عناء التجوال فى الأسواق، ورزالات جمهور الحاوى، ثم أنها فرصة عمره، فسيكون على مقربة من حبيبته، ويستطيع أن يراها كل يوم، ولم لا، فقد ترضى به عريساً، ويبتسم له الحظ بعد طول غياب.
لابد أن أحلام العيش فى رشدى قد راودته، ولم لا، فالمرتب الذى سيحصل عليه، بالإضافة إلى البقشيش، يمكن أن يساعده على دفع تقسيط شقة صغيرة، ثم أنه يدخر مبلغاً يمكن أن يدفعه كمقدم، كما أن محبوبته وعدته بالكفاح معه، ومن يدرى، فكل كبير كان فى يوم من الأيام صغيراً.
تقدم الفتى بأوراقه لإدارة المشروع، ولم يكن صعباً عليه أن يجتاز اختبارات القبول بجدارة، ووقع معهم عقد العمل، وعرف أن عليه أن يبادر باستلام العمل استعداداً لافتتاح المشروع.
ودع الفتى أسرة الحاوى وشكرها على استضافتها له طيلة هذه المدة، ووعدهم باستمرار التواصل معهم، وذهب المسكين ليسعد بلقاء محبوبته فى نفس المكان على سور الكورنيش، فلا وجد السور، ولا وجد الكورنيش، ولا استطاع حتى أن يرى منزل حبيبته، بل وجد جسراَ شاهقاً، قبيح المنظر يحجب عنه الرؤية، ولما سأل بائع الفريسكا العجوز، الذى اعتاد أن يشترى منه لمحبوبته عمن صاحب هذا الجسر، أشاح الرجل بيده وترقرقت الدموع فى عينيه ” مالوش صاحب”، وبكى الشاب وأطلق صرخة مدوية ” لقيييييييط”، وسقط ميتاً، وتناقلت وكالات الأنباء نبأ العثور على دولفين نافق فى شاطىء رشدى.

اترك تعليق