الشريحة .. قصة قصيرة بقلم منى عبد العزيز

0

القاهرة سبتمبر 2040
تعامدت شمس منتصف النهار على الحائط ناصع البياض بالمركز الطبي مضيفة لبياضه لمعاناً مزعجاً للعين .. أحكمت “زينب” موضع نظارتها الشمسية فوق عينها وما لبثت أن ألقت نظرة غير مريحة على الموظفة التي تجلس قبالتها باستقبال عيادة الأمراض النفسية بمركز الجامعة الطبي.
ابتسمت الموظفة لزينب ابتسامة ودودة لكن الفتاة تجاهلتها وأشاحت بوجهها للحائط اللامع المزعج مرة أخرى.
أخرجت هاتفها الذكي صغير الحجم الرفيع رقيق الملمس .. ففتحته ببصمة صوتها محدثة إياه بصوت خفيض “افتح” ثم أكملت الأوامر للهاتف .. “أغاني قديمة” .. “لبناني” فظهرت قائمة التقطت زينب إحداها بطرف إصبعها فسرى الصوت في أذنيها في الحال…
“عم شوف حالي بعيون حالي ما عرفت حالي قلت هيدا مين؟
“من سنين حالي ماشاف حالو بعيون حالي شو حرقت سنين”
“ووعيت فجأة كأني كنت نايم ووعيت”
“وبكيت .. بس لحالي .. مش عحدا بكيت .. بس عـحالي”
ضمت عيناها ببطء وكأنها على وشك البكاء الا أن صوت الموظفة قاطعها بإلحاح
“اتفضلي مس “زينب” .. دكتور “ياسر” في انتظارك”
في ثِقل خطوات “المُجبر” تحركت “زينب” باتجاه غرفة الطبيب الذي كان ينتظرها بابتسامة هادئة خلف مكتبه هادئ التفاصيل خفيض الإضاءة بغرفته الواسعة…
ألقت عليه زينب التحية بإيماءة رأس ونظرة ضجرة حذرة وبادرها هو بالترحاب بود وبالإشارة للجلوس على الأريكة المريحة التي تقابل مكتبه
أهلاً “زيزي” اتفضلي…
في برود جلست على الأريكة وتركت حقيبتها زاهية الألوان والتي تتناسب مع مظهرها الذي يشبه ما كان يرتديه “هيبز” القرن الماشي، نزعت النضارة الشمسية وعدلت من هندام شعيراتها المتناثرة وعيناها لا ترحب بعمل أي (eye contact) معه وهو ما تجاهله الطبيب الذي استمر في إظهار الود فبادرها متساءلا: احكيلي .. مالك؟
• مالي؟!!
في هدوء أجابها الطبيب وهو يتصفح بعض الشرائح الالكترونية عى جهاز التابلت على مكتبه:
• تقريرك النفسي بتاع الجامعة بيقول انك قافلة على نفسك بقالك كام يوم وان فيه علامات اكتئاب .. ايفنتات الجامعة الترفيهية خلال عشر أيام فاتوا محضرتيهاش والاختبارات النفسية الاسبوعية كل اجاباتك فيها واضح جدا فيها انك متراجعة جدا نفسياً و ءءءء ..
• هل قصرت في شغلي أو في أي حاجة تخص الماسترز بتاعتي؟
عاد الطبيب للنظر بالشرائح الالكترونية مجيباً اياها:
• انتي عارفة السيستم يا “زيزي” انتي طالبة ماستر بالجامعة هنا بقالك سنتين وعارفة انه العلامات النفسية دي كافية انها تحولك فورا “شئـــون نفســية” عشان نتطمن عليكي مفيش اشارات بتقصير في شغلك أو دراستك
• وايه المطلوب يعني من التحقيق ده
• ده مش تحقيق .. مطلوب تتعاوني معايا أنا موجود عشان اساعدك في حال وجود اكتئاب او اي علامات نفسية مش طبيعية خاصة انك مختلفة يعني .. يرمقها بنظرة ذات معنى مما يجعل زينب تجيبه بتحفز
• مختلفة؟!! .. تقصد طبيعية يا دكتور!
• أقصد مختلفة عن زمايلك .. عاجزة في أحيان كتير عن مواجهة مشاكلك النفسية لوحدك وده بيخليكي ءءء
في تحفز أكبر تجيبه:
• بيخليني إنسانة
• إنسانة أكيد لكنك في أزمة وإنتي بالذات محطوطة على قايمة أولويات التقارير النفسية في قسمك لأنك مش ءءءء قصدي لأنك محتاجة مساعدة
إرتفع صوتها مجيباً بحدة:
• قصدك لأني مركبتش الشريحة زيهم كلهم فبقيت مختلفة او متخلفة أو جديرة بالمراقبة زي ما بتعملوا كده
سيطر الطبيب على إنفعالاته وأجابها محتفظاً بهدوءه:
• محدش بيراقبك يا “زينب” .. سيستم الجامعة واضح للكل .. احنا مكان (ايليت) وخريجيه هما أفضل ناس بيشتغلوا في مجالهم في مصروالعالم العربي ويمكن العالم كله من عشر سنين وانتي مؤهلاتك المرتفعة عقليا وعلميا واللي دخلتك الجامعة معروفة للكل ومن لحظة دخولك انتي عارفة مسألة الاختبارات النفسية ومتابعة الطلبة وده شيئ من الاشياء اللي بتعلي ريت الجامعة بتاعتنا بين أقرانها من جامعات العالم وأنا موجود هنا بهدف مساعدتك لا غير
• مش محتاجة مساعدة
• تمام .. يبقى انا عندي تقرير محتاج أنهيه .. جاوبي على أسئلتي وبس
• اتفضل ابدأ التحقيق يا دكتور
• مالك؟ حاسة بإيه نفسيا في آخر 10 ايام؟
• مالي؟ كويسة أنا .. عادية .. إنسانة ماشية في طريقها وشايلة شيلة وبتتعب فبتقع .. وبتقف تاني .. ترتاح لحد ما تقدر تكمل مشي وبترجع تمشي تاني .. بس
حملق الطبيب بملامحها مجيباً:
• انتي شايفة اللي بتقوليه ده هين وسهل وبسيط؟!
• عادي يعني
• لا مش عادي يا زينب .. الاكتئاب مرض من أخطر الأمراض وقادر على تعطيل كل أوجه الحياة بداية من كواليتي شغل مستحيل يخرج بأفضل شكل بأنواع اكتئاب ممكن توصل للجنون أو الإنتحار
• ياااه .. كبرتها أوي انت يا دكتور
• ممكن تمكنيني أساعدك؟ من فضلك .. ده هدفي ووظيفتي
• صدقني يا دكتور أنا مش شايفة ان حالتي خطر ولا اني محتاجة مساعدة مساعدة ولا ملاحظة اوى كده ..
• ايه اللي دخلك في اكتئاب؟
• مش عارفة .. حسيت نفسي مش قادرة أتفاعل مع أي شيئ في الدنيا .. عايزة أقفل الباب على نفسي وبس
• وقفلتيه؟
• أهاا .. قررت أخلص شغلي ومذاكرتي وبس وأوقف تعامل مع أي حد حوالي لحد ما أحس بعكس كده .. بريك يعني ..
• وبعدين
• مش عارفة ايه الي حصل .. صداع رهيب ابتدى يهاجمني .. عدو قديم مبيرحمش .. زي ما يكون راجع ينتقم او يحقق انتصار بعد هزيمتة الكبيرة على ايدي
• قصدك بعد تعافيكي من أزمة وفاة أهلك .. حادثة والدك ووالدتك؟ ادمانك للمسكنات؟
• اهاا .. مكانش الصداع بيسيب دماغي ابدا .. حسيت ان خلاصي منه كان معجزة
• وحسيتي بإيه لما هاجمك المرادي؟
• شلل .. كأني مشلولة بالضبط .. روحي وعقلي .. مش قادرة أعمل أي حاجة .. ألم مسيطر على عقلي وتفكيري .. عاجزة عن أي شيئ الا التفكير .. مواجهة وكشف حساب لحياتي كلها .. مواجهة مجبورة عليها مش بكيفي .. محبوسة جوه سجن مفيش هرب منه .. شلل رهيب للروح
• وايه اللي رجعلك الاعراض دي دلوقتي يا زينب؟ ايه اللي مزعك اوي كده؟
• مش عارفة
• لا اكيد عارفة جواكي ايه اللي محسسك بالغضب كده .. انتي غضبانة من الدنيا؟ يمكن مش عايزاها بشكلها ده؟
• انا مش عايزة انتحر يا دكتور .. ومش حنتحر
• انا مقلتش انك عايزة تنتحري بس ميول رفض الحياة دي مش اول مرة ءءءء
• انا مش رافضة الحياة .. انا رافضة الشكل اللي الحياة بقت عليه والسخف اللي بيحصل والناس الي بقول عاملين زى الروبوتس

يعتدل الطبيب في جلسته مبتسماً كمن وصل لهدفه من الحديث للتو ولسان عيناه ينطق (look we have bingo here)
• انا عارفة انك عايز ترجعني لنفس النقطة .. الشريحة .. لأ .. مش عايزاها .. مش حركبها ..
(يزداد انفعالها)
• مش حبرمج عقلي ينسى بكليك ومش حبطل ازعل بكليك ومش حنسى أمي وأبويا وحياتي اللي اتلخبطت بكليك ومش حنسى الراجل اللي حبيته وراح بكليك مش حتحول لروبوت يا دكتور ياسر مش عاوزة حتى لو كل اللي حواليا بقوا روبوتات
• ممكن تهدي .. انا مش عايز ارجعك لأي نقطة ولا بقنعك بحاجة دي مش شغلتي يا زينب انتي عارفة .. كل مهمتي الحفاظ على مستويات نفسية معينة بعينها لطلبة الدفعة مستويات طبيعية مستقرة تساعدهم على الشغل بهدوء وبإنتاجية عالية بأقسامهم وبدون مشاكل .. بيئة انتاجية عالية ومستقرة دى شغلتي بصرف النظر مين اختار تركيب الشريحة ومين لأ من بداية تبني الجامعة مشروع توفيرها لطلبة الماسترز
• وطبعا أنا مشكلتكم الوحيدة في قسمي؟
• انتي مش مشكلة يا زينب .. انتي شخص محتاج رعاية اكتر من التانيين محتاج مساعدة أكتر لأنك ءءء
• لأني مش روبوت ومش حكون
• زمايلك مش روبوتس .. زمايلك بشر زيك بالضبط واختيارهم تركيب الشريحة وانهم يعيشوا حياة منضبطة وسعيدة ده ميخليهومش موضع تحقيرك او شكك بالعكس
• اه عارفة لازم اعتبرهم أحسن مني .. سعداء على طول .. بيتكلموا لغات كتير .. بيضحكوا على طول.. انفعالاتهم حاجة واو مظبوطة ع الشعرة!! .. زي أحمد اللي مامته توفت من شهر ولقيته بيلغي كل ذكرياته معاها بعد يومين وبينسى وبيكمل كمسخ سعيد طول حياته .. متخيل؟
• هو حر يا زينب .. مش دي الحرية الي بتدعميها
• حر آه .. وايمان اللي بعد طلاقها قررت تعمل ديليت لكل ذكرياتها مع جوزها واولادها اللي اخدهم
• جوزها اللي اذاها نفسيا وبدنيا يا زينب مش كده؟ كتير عليها تلغيه من ذكرياتها؟ شايفة ده مش فير؟ لازم تقعد تتعذب شهور وسنين تحت قهر الذكريات دي؟
• واولادها يا دكتور؟ تنساهم؟ تسيبهم؟
• محدش مكان حد يا زينب عشان يقدر يحكم عليه .. كوني مكانها الأول عشان تقدري تحكمي وبعدين انتي شاغلة نفسك بيهم ليه انتي تقريبا مقاطعة كل زمايلك في (الكامباس)
• آه مقاطعاهم عشان اتحولوا لروبوتس وأنا مبقتش مصدقة أي مشاعر بتخرج منهم تجاهي .. سلوكياتهم بقت غريبة وبقوا مثاليين زيادة عن اللزوم .. مبقوش بشر
• وانتي عايزاهم يبقوا بشر ازاي يعني؟ .. ايه الي مش عاجبك في سلوكهم؟ لازم أخطاء وإزعاج وإخفاقات وسقوط وإكتئاب وميول إنتحارية ومحاولات للرجوع وءءء
• لا عايزاهم يتغلبوا على وقوعهم بنفسهم مش بكليك على ريموت يا دكتور .. عايزاهم يحبوا بعض بجد مش بمجمل المميزات نقرر نكون مع شخص ونبرمج الشريحة على كده .. مسموش جواز ده
• اومال اسمه ايه يا ستي؟
• معرفش .. اسمه اي حاجة مش حقيقية ومش صح
• حتفضلي تقاومي كده كتير؟
• مش حركب الشريحة يا دكتور .. مش ححلق شعري واستسلم لتركيب شيئ غريب يبدل عقلي ومشاعري بريموت كنترول وميكروتشيب كمبيوتر الله اعلم مين اللي حيتحكم فيها بعد كده
• لا بجد كده كتير .. انتي بقيتي شخص متشكك لدرجة عدت الطبيعي!
• ليه بقى؟ هو انا أعرف مين اللي ممكن يتحكم في الشريحة الي في دماغي دي؟
• يا زينب ده بروتوكول عالمي بيتراقب بدقة ومش هزار ولا يمكن بأي حال من الأحوال اختراق النظام ده أو خداع أو السيطرة على شخص او الاضرار بملصحة أي شخص أو مؤسسة أو دولة من خلاله .. كفاية أفكار قصص خيال علمي بقى
• مش حركبها
• زينب احنا خرجنا عن موضوعنا .. انتي جاية هنا عشان نناقش حالتك النفسية وميولك الانتحارية
• معنديش ميول انتحارية يا دكتور والبعد عن زمايلي علامة صحية صدقني مش وحشة
• وعزلتك وأفكارك اللي مش معروف حتوصلك لفين؟
• توصلني مكان ما توصلني بقى انا بعمل شغلي وبكمل دراستي زي ما الكتاب بيقول .. وأوعدك اختباراتي النفسية الفترة الجاية تكون أحسن كتير
• وده ازاي؟
• بالإرادة يا دكتور.. باليقين .. برغبتي في التعافي من وقعتي .. برحمة ربنا اللي حتخلي سدة نفسي من الحياة تنتهي وأحس انها تستاهل مني شوية تعب كمان ومعافرة .. بذكرياتي مع أمي وأبويا اللي ميستاهلوش يتضاف لذكراهم ذكرى وحشة بسببي ..

وأشارت لعقلها قائلة “بده”
ثم أشارت لقلبها مسترسلة “وده”

تراجع الطبيب في كرسية محررا بعض الكلمات على شاشة جهازه اللوحي مبتسماً إبتسامة تقليدية لزينب كان من شأنها أن تجعلها تقوم من مكانها وتعدل هندامها وتضع نظاراتها الشمسية وتتجه لباب الغرفة الذي أغلق أوتوماتيكياً خلفها بدون صوت يذكر

في هدوء أضاءت شاشة جهاز الطبيب اللوحي ايذانا لبدء مكالمة صوتية حيث ظهر صوت رصين يقول :
• أيوه يا “ياسر”؟
• زي ما حضرتك سمعت كده يا فندم .. رفضت برضو تركب الشريحة
• هههههه .. عنيدة “زينب” دي .. متخيلة إنها تقدر تخالف النظام
• حاولت معاها بكل الطرق يا فندم
• خد وقتك .. هي واللا غيرها .. المشروع خلاص ابتدى ومفيش مجال لأي خطأ .. وكله جاي .. خد وقتك.
(تمـــت)
منى عبد العزيز
سبتمبر2020

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق