حزب “العدل” يطالب بإستراتيجية قومية للتعامل مع فرص ومخاطر عصر الآلة الثانى

الإستثمار فى رأس المال البشرى والحماية الإجتماعية وتسريع التحول إلى الإقتصاد الرقمى

0

طالب حزب “العدل”، بضرورة وضع “إستراتيجية قومية كبرى” للتعامل مع الفرص والمخاطر الناتجة عن وتيرة التطور التكنولوجى المتسارعة فى ظل الثورة الصناعية الرابعة أو “عصر الآلة الثانى”، على أن تقوم هذه الإستراتيجية على محاور ثلاثة رئيسية هى: رأس المال البشرى (التعليم والمهارات والصحة) والحماية الإجتماعية وتسريع عملية التحول إلى الإقتصاد الرقمى، بما يستهدف تمكين مصر من المنافسة فى إقتصاد المستقبل، وتحقيق الإستقرار السياسى والإجتماعى فى ظل مخاطر الطبيعة المتغيرة للعمل الناتجة عن عملية “الأتمتة” وتفشى الإقتصاد غير الرسمى.
جاء ذلك فى ورقة سياسية أصدرها الحزب تحت عنوان: “تأثير التكنولوجيا على مستقبل الوظائف: تحديات التعليم والإقتصاد الرقمى والحماية الإجتماعية”.
ودعا الحزب فى هذا الصدد إلى تصميم سياسات تعمل على تحسين رأس المال البشرى، تتضمن رسم خريطة جديدة للإنفاق والإستثمار تركز على قطاعات التعليم والصحة والحماية الإجتماعية، وبناء نظام ضريبى تصاعدى يعيد توزيع الدخل ويحقق تكافؤ الفرص، وبناء نظام جديد للحماية الإجتماعية، يقوم على مفهوم “الحد الأدنى الإجتماعى المضمون” والذى يضم 3 مكونات رئيسية هى:
المساعدات الإجتماعية التى توفر المساندة المالية لشريحة كبيرة من السكان أو حتى للسكان كافة، والتأمينات الإجتماعية الإجبارية، ووضع “لوائح مرنة ومتوازنة لتنظيم العمل” تستهدف تحقيق التوازن بين تنظيم سوق العمل من جهة وخلق فرص العمل من جهة أخرى، وتخفيف القواعد التنظيمية الجامدة لسوق العمل، بما يتيح تيسير التنقل بين الوظائف ويمنح الشركات والعمال قدرة على التكيف مع الطبيعة المتغيرة للعمل فى ظل عصر “الآلة الثانى”، وهو ما يتطلب فى الوقت نفسه عدم استخدام “لوائح العمل الصارمة” كبديل عن الحماية الإجتماعية للعمال، وتوجيه مزيد من الإعتماد على “إعانة البطالة المنظمة على المستوى الوطنى” بديلا عن تعويضات نهاية الخدمة.
ووضعت الورقة 14 توصية، أهمها:
1- إعادة بناء نظام جديد للتعليم يتوافق مع مجالات المعرفة المستقبلية وخاصة الذكاء الإصطناعى، والأمن السيبرانى، وسلسلسلة الكتل، والتكنولوجيا الحيوية، والمهارات المستقبلية، وتعديل المناهج الدراسية وطرق التدريس، بهدف تزويد الشباب بالمهارات المطلوبة لوظائف المستقبل، والتأقلم بوتيرة أسرع مع التغيرات التكنولوجية، والتوسع فى سياسة تنمية الطفولة المبكرة، وتضمين أنظمة التعليم العالى الحد الأدنى من المهارات المعرفية القابلة للنقل مثل التركيز على حل المشكلات والتفكير النقدى والتواصل والقيادة ومهارات التعلم مدى الحياة والمهارات السلوكية والإجتماعية مثل العمل الجماعى والمرونة والثقة بالنفس والتفاوض والتعبير عن الذات، كون هذه المهارات هى أفضل تحصين ضد عدم اليقين الوظيفى.
2- التوسع فى مراكز الإبتكار داخل الجامعات، وهو ما يعرف بـ”المجموعات الإبتكارية”، التى يتطلب نجاحها قيام الحكومات غالبا بتهيئة بيئة مواتية، من خلال توفير البنية التحتية المحلية، وزيادة الإنفاق على البحث والتطوير، وربط الجامعات بالباحثين المميزين، والإبتكار فى القطاع الخاص، إلى جانب دعم التعاون الوثيق بين الصناعة والتعليم المهنى.
3- وضع “خريطة طريق لتحسين المهارات”، تستهدف جعل الدولة أكثر تنافسية وتحسن الناتج المحلى الإجمالى وتمكن الفئات ذات التمثيل الأقل وتجذب التجارة والصناعة، عبر التعاون بين الحكومات والمؤسسات والأفراد، لتطبيق حل شامل ومستدام يضمن توزيع الصلاحيات والمسئوليات، وهو ما يتطلب:
وضع “نموذج متقدم ومستدام” لتحسين المهارات، وتصميم وتنفيذ “استراتيجية فعالة وشاملة للمهارات الوطنية” تتماشى من ناحية مع الإحتياجات الجديدة الناشئة فى سياق التوجه الحتمى نحو الإستثمار المؤسسى فى التكنولوجيا، وتستهدف من ناحية أخرى توسيع حافظة المهارات غير المستغلة التى تتمتع بها القوى العاملة. فليس لدى الحكومات وقت لانتظار التحول الإفتراضى لأنظمة التعليم الحالية التى يبدو أنها تنفصل عن سوق العمل أكثر فأكثر، بالإضافة إلى العمل على تحويل وجهة التمويل الحكومى من دعم “العاطلين عن العمل” بواسطة برامج الحماية الإجتماعية، إلى تأمين الوظائف من خلال الإنفاق على تحسين المهارات، مع مراعاة التوازن فى كل المراحل بين الحلول العلاجية المتوقعة للبطالة وبين تأمين قيادة متبصرة من أجل عملية تحسين المهارات التى تتمركز حول “الوظيفة المستقبلية”، بالتزامن مع تعزيز التوجه إلى إستثمار المؤسسات فى تحسين المهارات باعتباره الحل المفضل والأكثر فعالية بالمقارنة مع عمليات تسريح العمال أو خطط توظيف جديدة.
وتتضمن الإقتراحات التنفيذية لـ”استراتيجية المهارات الوطنية”، تعيين وزير للمهارات، يضطلع بتنسيق كافة جهود تنمية المهارات عبر البلاد، وسد الفجوة بين العرض والطلب على القوى العاملة الماهرة، وبناء أطر تدريب مهنية وفنية، وتحديث وبناء المهارات الجديدة، وتحديث أسلوب التفكير الحالى حول الوظائف الحالية والمستقبلية وتلك التى لم تنشأ بعد، إلى جانب إنشاء صناديق أو حسابات مالية للتعلم والتدريب Activity Accounts for lifetime learning” and job retraining” بهدف توفير آلية دائمة لتمكين الشباب من اكتساب مهارات جديدة، فعندما يتم توظيف العاملين يُمكن للشركات أن تساهم بمبالغ محددة لصناديق أو حسابات العاملين مع إمكانية زيادة المبلغ في هذا الحساب من مساهمات الشخص نفسه وكذلك من الحكومة على غرار صناديق أو حسابات التقاعد. وبذلك يُمكن لصاحب الصندوق أو الحساب الاعتماد عليه لتمويل نفقات التعلم مدى الحياة، وإعادة التدريب الوظيفى، على أن ينتقل هذا الصندوق أو الحساب مع الشخص في حالة انتقاله أو تغييره لوظيفته.
4- إلغاء كل برامج المساعدات الإجتماعية الحالية تجنبا لتفتت البرامج، واعتماد برنامج موحد وأكثر شمولا يوفر “حد أدنى إجتماعى مضمون” للحد من الفقر وضمان الحصول على السلع الأساسية. وفى هذا الإطار يمكن إقرار “نظام للدخل الأساسى الشامل” Basic Income Guarantee الذى يشتمل على ثلاث خصائص: أولا- استهداف جميع الأفراد بغض النظر عن دخلهم أو حالتهم الوظيفية، وثانيا – لا يلزم أن يستوفى المشاركون أى شروط أو مسئوليات مشتركة تبادلية، وثالثا – يتم تقديم المساعدة على هيئة نقد بدلا من التحويلات العينية والخدمات، مع الوضع فى الإعتبار أن الدخل الأساسى الشامل لا يعتبر بديلا للخدمات الصحية أو التعليمية أو الخدمات الإجتماعية الأخرى، إلى جانب إمكانية استرداد الأموال من الأغنياء من خلال ضريبة الدخل التصاعدية مثلا، واعتماد مفهوم “دخل المشاركة”، وهو مفهوم هجين يدمج الدخل الأساسى الشامل بشكل من أشكال المشاركة الإجتماعية.
5- إعادة النظر فى “الائتمان الضريبى” وتطبيقه على قطاع أوسع من المواطنين، لمعالجة الاختلالات الوظيفية المستجدة، ولدعم أنماط الإستهلاك المستقرة، أو الميسرة للإستهلاك، ويمكن فى هذا الصدد اعتماد “نظام الإشتراكات الإلزامية” الذى يضمن “حد أدنى مضمون للتأمين الإجتماعى” ضد الخسائر المسببة للفقر والتى يتعذر تغطيتها من خلال تحويلات المساعدات الإجتماعية عبر نظام “الدخل الأساسى الشامل” المقترح. ويمكن العمل فى “خطة التأمين الإلزامى” مع تغطية الحكومة لجزء من الإشتراك فى المعاش وفقا لنظام معاشات خاص يستهدف الفقراء وعمال القطاع غير الرسمى محدودى الدخل.
إذ أن نظام “التأمينات الإجتماعية” المعمول به حاليا والمتمثل فى الإشتراكات المستندة إلى الأجور والقائم على فرضية استقرار العمل بأجر ووضوح تعريفات أرباب العمل والعاملين وثبات نقطة التقاعد، ليس ملائما للدول التى يندر فيها العمل فى وظيفة مستقرة بالقطاع الرسمى، فضلا عن إقصائه للعاملين فى القطاع غير الرسمى الذى يشكل نسبة كبيرة من الإقتصاد، والأهم أن هذا النظام لا يتناسب بشكل متزايد مع طبيعة العمل المتغيرة التى لم تعد فيها العلاقات التقليدية بين رب العمل والعامل هى القاعدة، ولا يتناسب أيضا مع “اقتصاد الوظائف غير الدائمة” سواء على مستوى إمكانية حصول العمال محدودى الدخل على الأدوات الفعَالة لإدارة مخاطر انقطاع سبل المعيشة والمرض والإعاقة والموت المبكر، أو على مستوى خفض تكاليف توظيف العاملين على الشركات والتى تتحمل جزءا من أقساط التأمين.
6- إصلاح “اللوائح التنظيمية لسوق العمل” بما يضمن تغطية العمال بالقطاع غير الرسمى، وعدم استخدام اللوائح التنظيمة كبديل لأدوات الحماية الإجتماعية كالحد الأدنى من الدخل وإعانات البطالة، الأمر الذى يحقق دينامية الإقتصاد ويحد من التأثير على تدفقات سوق العمل وزيادة طول الوقت المستغرق فى كل من الوظيفة أو البطالة. فعندما تكون اللوائح التنظيمية غير متوازنة وتنطوى على بنود أشد صرامة لحماية العمال وإجراءات مرهقة للفصل من العمل ، تجد الشركات صعوبة فى تكييف مكونات قواها العاملة. وتعتبر القدرة على التكيف شرطا مهما لتبنى التكنولوجيات الجديدة وزيادة الإنتاجية.
ويتطلب هذا الإصلاح، وضع لوائح تنظيمية لأسواق العمل، تحقق التوازن بين “الأمن” و”المرونة”، بشكل يساعد الشركات والعمال على التكيف مع طبيعة العمل المتغيرة، وهو ما يجب أن يتزامن مع الإستثمار فى الحماية الإجتماعية لكافة العاملين وخاصة العمال الأشد ضعفا الذين يتعرضون للإقصاء فعليا، وكذلك الإستثمار فى “برامج إعادة التوظيف” التى تستهدف إعادة العمال إلى سوق العمل، وتوجيه مزيد من الإعتماد على “إعانة البطالة المنظمة على المستوى الوطنى” بديلا عن تعويضات نهاية الخدمة التى باتت أداة عديمة القيمة لحماية الدخل، لأنها تجمِع المخاطر على مستوى الشركة أو الصناعة، إذ يواجه العمال أيضا مخاطر عالية تتمثل فى عدم حصولهم على مستحقاتهم فى حالة مواجهة رب العمل قيودا على السيولة أو خروجه من النشاط.
إن “إعانة البطالة المنظمة على المستوى الوطنى”، تنقل الترتيبات من مستوى الشركات إلى مستوى وطنى، ما يوفر الحماية للجميع بصرف النظر عن المكان الذى يعملون فيه وطبيعة عملهم، ويمكن أن تعتمد “أنظمة إعانات البطالة” على فتح صناديق أوحسابات للمدخرات الفردية عند بدء العمل ويمكن للشركات أن تساهم بمبالغ محددة في هذا الحساب وكذلك الحكومة على غرار صناديق أو حسابات التقاعد، على أن ينتقل هذا الحساب مع الشخص في حالة انتقاله أو تغييره لوظيفته، ويمكن استخدام هذه المدخرات سواء فى ظرف البطالة أو إعادة التدريب، فإذا لم يسحب الشخص كافة مدخراته تكون البقية متاحة له عند تقاعده. وأما العمال الذين ليست لهم مدخرات كافية فسيكون بمقدورهم الإعتماد على ضمان الحد الأدنى للدخل المموَل من خلال الإيرادات العامة (الدخل الأساسى الشامل).
كتبت : شيماء سمير

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق