حلمي شعراوي يكتب: كيف يتحقق (إجماع بكين) أمام (إجماع واشنطن)؟

0

كنت قد كتبت منذ بضعة سنوات عن احتمال مواجهة النظام الاقتصاد الصيني الجديد لنظام هيمنة نظام إجماع واشنطن الرأسمالي العالمي الذي يسيطر علي العالم بالبنك والصندوق وقواعد السوق الحر.. ورأيت حينئذ
ان الرأسمالية العالمية بلورت هيمنتها الاقتصادية، بل والسياسية على العالم في ثمانينيات القرن العشرين.
وعندما استقرت برامج “التكيف الهيكلي” وشروط أو “وصفة” صندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية؛ عندئذ سُمَّي ذلك “إجماع أو وفاق واشنطن” ًWashington Consensus، أو قل الخطة الشاملة “لعالم واحد” من كافة الجوانب، حتى العسكرية التي تصورناها سقطت مع الاستعمار التقليدي، ولكنها هنا عادت مع المدرسة “النيوليبرالية” الأميركية، أو ما سمي بالرأسمالية المتوحشة، وصاغ مبادئها العشرة “جون وليامسون” سنة 1989. لكن فجأة، تبزغ قوة شبحية ذات تأثير بالغ في هذا العالم نفسه، نتيجة “الحضور”الخاص والمؤثربشراهة مماثلة أعني حضور الصين. ولم يكن ذلك بالطابع الصيني المنعزل القديم، حيث كان ترويعها يسمى “التنين الأصفر” و”رهاب الشيوعية”، ولكنه هنا ذلك الحضور الناعم على مستوى القارات الثلاث الكبرى، بل وخارج دائرة الرأسمالية التقليدية. ولكنه بالأساليب الرأسمالية نفسها، ولذا يجري الآن الاتفاق على تسمية ذلك “إجماع بكين” مقابل “إجماع واشنطن”.
وفيما تابعته من مصادر، فإن المصطلح قد طرحه الباحث الأميركى “جوشوارامو” عام 2004.
والواضح من التعريف به أنه من مدرسة “كيسنجر” صاحب “الاختراق العظيم” إلى الصين أوائل سبعينيات القرن الماضي. ولذا يتحفظ مثقفون صينيون على المصطلح “مؤقتاً” على ما يبدو في تحليلات أمثال “لي زينج” Lixing أو “لي جيباو”، في دراسة موسعة نشرتها مراكز إفريقية ودولية.
يتفق مجمل المحللين على أن “إجماع بكين” يشكل تحدياً خطيراً لـ”إجماع واشنطن” أميركي الصنع، لأنه يبشر بـ”النموذج الصيني” كنموذج لتنمية بديلة”، وهو ما لا يقبله الغرب ،لأنه تحت شعار “الخصائص الصينية” عن “اشتراكية السوق” أو “الرأسمالية الموجهة”.
وفى تقدير الخائفين من مشروع الهيمنة الجديد أن العولمة لا تقبل بمصطلحات: التقدم – التصنيع- النمو- الكفاءة- التنافسية- العقلنة- الإبداع في الإدارة بديلًا لمصطلحات إجماع واشنطن عن “السوق- التجارة ثم التنمية”.
وبهذه التعريفات التي أسماها “رامو” نفسه بالعناصر العشرة “لإجماع بكين”.
ويدهش مفكر أفريقي مثل “كويسي براه”- غاني في جنوب أفريقيا من هذا الموقف- لأن “الغرب”هو الذي استغل واستبعد أفريقيا لعدة قرون، بينما لم تظهر الصين على الساحة الأفريقية إلا منذ بضعة عقود! كما أن الغرب أيد سياسة الحزب الواحد والديكتاتوريات الأفريقية.
المشروع الصيني ينتقل الي الاستقلال الذاتي للمشروعات، أي أنها باختصار تنتقل من الاقتصادوية إلى المجتمعية؛ لكنه محكوم من الدولة، “القفزة “الصينية الجديدة تختلف عن قفزتها الكبرى في الخمسينيات، هي قفزات بالفعل مع مطلع القرن الواحد والعشرين تجعل علاقات الصين التجارية مع أفريقيا تقفز من عشرة مليارات دولار عام 2001 إلى 189.5 مليار دولار 2012 لتصل إلى 385 مليار عام 2015! مقارناً ذلك ببلوغ تجارة الولايات المتحدة إلى 108.9 مليار فقط عام 2012.
ومع ملاحظة أن سعى الصين ليصير “اليوان” عملة دولية، أمام الدولار بعد أن هاجمت الدولار كبديل للذهب في الاحتياطي العالمي. وأن عدداً متزايداً من البنوك الأفريقية بدأ يتخذ “اليوان” عملة لاحتياطيها، مثل نيجيريا وجنوب أفريقيا.. الخ.
يكفي الإعلان المتكرر لأجهزة الإعلام الصينية عن الأبعاد “العالمية ” “للحزام الاقتصادى لطريق الحرير وجناحه البحرى ” !.
وبلوغ مخصصاته للتنمية 5و2 تريليون دولار وفق تصريح للرئيس الصينى مؤخرا! ومثل هذا الحديث عن هذا المشروع الذى تطوق به الصين العالم كله شمالا وجنوبا مستمر طوال الاعوام الأخيرة، مرة بسبب الهجوم الاقتصادى بالمشروع فى وسط آسيا، وأخرى عن طرق السكك الحديدية تبع المشروع فى شمال أوربا، مرورا بالمجروحتى شبه جزيرة أيبيريا، وثالثة عن المرور بإيران حتى غرب آسيا، ورابعة عن الوصول للخليج، والقرن الأفريقى عبر البحار والمحيطات، للوصول ثانية إلى المتوسط وجنوب أوربا…!
وليس ذلك كله من باب أضغاث الأحلام، ولكن ثمة اتفاقيات وقعت مع حوالى خمسين دولة، واتفاق على مشاريع الترتيبات وصل إلى أكثر من 160 مليار دولار…!
وأنهم إلى جانب تخصيص خمسين مليار من قبل مساعدات وديون لأفريقيا، فإنهم خصصوا أربعين مليارا لصندوق “طريق الحرير” … الخ … الخ.. بل ويشاركون في صندوق منظمة “بريكس” الذي يبلغ مائة مليار دولار..!
ولذلك بدات بعض المصادر الغربية تتحدث عن “وفاق بكين” الذي قد يحاصر “وفاق واشنطن” والبحث عن خصائص العولمة الجديدة بقيادة الصين…!
ولأننا فى مصر نعيش هاجس قناة السويس الجديدة، فهل تعنى خطوط “الحزام الحريرية” من وسط آسيا لأوربا، أو إلى القرن الأفريقى، تأثيرا سلبيا على القناة؟، أم أن المجئ إلى المحيط الهندى جنوبا سيتبعه بالضرورة الصعود إلى السويس؟
الصمت الصيني يشجع أيضا على التفكير، حول اهتمام “حزامهم الحريرى” بوسط آسيا وتوقيع اتفاقيات مع إيران فى حدود 20 مليار دولار فى استثمارات الطاقة.
إن المسألة تتعلق كما قلت بعولمة جديدة .. لابد أن نستكشف فيها روح الصين الجديدة، وطبيعة الحزام الذى ستطوق به العالم.

اترك تعليق