د. أحمد نزيه أبوراس يكتب: مشروع قانون التأمين الصحي الاجتماعي الشامل ما بين النقد والانتقاد

1

يحتاج مشروع قانون التأمين الصحي الاجتماعي الشامل للكثير من النقد لا الانتقاد، فالنقد هو دراسة السلبيات والايجابيات، وعرضها بموضوعية وحيادية، وعرض البدائل المتاحة، للوصول إلى الأفضل،  أما الانتقاد فهو الحديث عن السلبيات دون الايجابيات، دون عرض للبدائل أو دراسة الواقع.

ما أسهل الانتقاد، وما أصعب النقد.

إن الانتقاد سهل وممتع، فما أسهل أن نقول إن مشروع القانون يوجب على المريض أن يساهم بمبلغ مالي عند إجرائه للأشعات أو النحاليل أو شراء الأدوية، وبالتالي فهو لا يحقق المجانية المطلوبة، وما أمتع أن نعرض تلك الفكرة في وسائل الإعلام أو على مواقع التواصل الاجتماعي، ونحصل على الاعجابات المتعددة، والتشييرات والهاشتاجات اللازمة #عايزين_علاج.

والموضوعية تقتضي أن نبين أن الغرض من أن يساهم المريض بماله لسداد جزء بسيط من تكلفة الخدمة الصحية، هو عدم إساءة استخدام الخدمة إن كانت مجانية تماما، بالإضافة إلى أن غير القادر قد أعفاه مشروع القانون من دفع أية مبالغ مالية بأية صورة من الصور، بل تقوم الحكومة بسداد مساهمته في صندوق التأمين، وكذلك المريض بمرض مزمن، لن يتحمل أية أعباء مالية عند صرف دوائه، وأيضا المريض الذي يقرر له الطبيب دخول المستشفى للعلاج، لن يتحمل هو الآخر أية مبالغ مالية للأشعات والتحاليل اللازمة له تمهيدا لدخوله المستشفى، وبالتالي فإن مبلغ المساهمة الذي يتحمله المريض القادر، سيساهم بلا شك في علاج هؤلاء المرضى، وذلك هو العرض الموضوعي الذي نبتغيه، وهذه هي الفكرة العامة من اعتباره تأمينا صحيا اجتماعيا. أوافق على أن نختلف حول قيمة المساهمة المالية، وهي تتحدد بدراسات مالية خاصة بتمويل نظم التأمين على اختلاف أنواعها، تعرف بالدراسات الاكتوارية، هدفها ضمان استمرارية النظام التأميني، والموازنة بين قدرة المؤمن عليه على سداد مساهمته وتكلفة الخدمة التي يتلقاها، خاصة وأن التطور التكنولوجي الذي شهدته الخدمة الصحية في وسائل التشخيص والعلاج والدواء، جعلها خدمة ذات تكلفة عالية، ولكنني لا أوافق أبدا على رفض مشروع القانون لمجرد وجود تلك المساهمة، فالقانون ضروري لضبط أداء الخدمة، وخطوة هامة نحو إصلاحها، كما أرفض استغلال ذلك لإيحاء المواطن بأن الدولة ترفع يدها عن تمويل الخدمة الصحية، أو تخصخص مستشفياتها، فالأمر ليس كذلك، فالدولة مستمرة في تمويل الخدمة الصحية بأساليب عدة، منها مساهمتها عن غير القادرين، وهي بعيدة كل البعد عن خصخصة مستشفياتها، فذلك أمر لا نقبله لمخالفته الدستور والقانون.

ولعل السؤال المطروح هو: هل لدينا حقا خدمة صحية مجانية؟ أو تعليم مجاني؟

إننا نعاني من انغماس في التناقض والشكلية، فالتعليم مجاني، ولكن الأسرة المصرية تتحمل الكثير من الأموال لتعلم ابناءها، والخدمة الصحية مجانية، ولكنها تكلف المواطن الكثير من المال، حتى غير القادرين، يحصلون على خدمة ليست بمجانية، وإنما يسعى القادر إلى المساهمة في علاجهم، بتبرعات وزكوات وصدقات.

إن العرض غير الموضوعي بطريقة الانتقاد لا النقد، هو ما سيؤخر مسيرة الاصلاح، ونراهن على قدرة المواطن المصري على التمييز بين من ينتقد ومن ينقد، من يعرض السلبيات دون دراسة للواقع أو عرض للبدائل، ومن يعرض السلبيات ويقترح البدائل، ويعرض الايجابيات ويقترح الأفضل.

الاسكندرية في 23 ابريل 2017

د. أحمد نزيه أبوراس
– عضو مجلس ادارة غرفة مقدمي الخدمات الصحية التابعة لاتحاد الصناعات
– عضو مجلس نقابة أطباء الاسكندرية
– عضو لجنة العمل ولجنة الضرائب باتحاد الصناعات المصري

 

تعليق 1
  1. دكتور نزيه ابوراس يقول

    لقد اصاب الكاتب تماما حين بدأ المقال بالتفرقة بين النقد البناء وبين اﻹنتقاد .لﻷسف الشديد فان ما اصاب المجتمع من حالة اﻹنقسام واﻹستقطاب الشديد قد أدى الى غياب روح النقد البناء وتفشي ظاهرة اﻹنتقاد الهدام .بعيدا عن المحتوى نحن نبدأ إوﻻ بالتعرف على كاتب المقال وتصنيفه ثم بعد ذلك وبناء على التصنيف نبدأ في العمل اما على التأييد المطلق او اﻹنتقاد البعيد عن الموضوعية والهادف الى رفض كل ما جاء بالمقال جملة وتفصيﻻ والتمادي بتوجيه سيل من اﻹتهامات ورمي الكاتب بالباطل ونشر اﻹدعاءات بمعرفة اﻷهداف الخبيثة للموضوع وشرح ابعاد المؤامرة وغير ذلك من اﻷباطيل.
    من الطبيعي ان يكون ﻷي مشروع بضخامة وأهمية مشروع التأمين الطبي المقترح ايجابياته وسلبياته هنا تكون المسئولية مشتركة بين الجهات التي قامت بدراسة وتقديم المشروع بشرح جميع ابعاده على ان يكون النشر في اوسع نطاق بطرق النشر المختلفة وان يتم ذلك بمنتهى الشفافية والوضوح وعلى الجانب اﻵخر يكون على المجتمع المدني بجميع مؤسساته العمل على دراسة المشروع والبحث عن نقط الضعف وتقديم اﻹقتراحات والبدائل . بذلك فقط ممكن للدولة أن تتقدم وأن تخطو نحو نبذ التخلف الحضاري والسعي للحاق بركب اﻹنسانية

اترك تعليق