ساهى صلاح الدين تكتب: جين جدتى

1

كنا في إحدى أيام شهر أغسطس الحارة.. وكما اعتدنا أن نفعل دائما جلسنا أنا وأختي الصغرى على أرض حجرتنا لنلعب، لم نكن نملك كثيرا من الألعاب ولكننا كنا نملك الخيال.. وفجأه سمعنا صوت جرس الباب، كان جرس أبى فهو له جرس مميز عن أى شخص آخر.
اندهشنا لأنه أتى في غير موعده، وتسابقنا أنا وأختي للباب، وبعد أن رأينا وجه أبى توقفنا؛ كانت نظراته تائهة وعيناه مليئة بالدموع، وسمعت صوت كف أمي وهي تطرق بشدة على صدرها ويدها الأخرى تكتم صرختها، واقشعر بدني ولكني لم أفهم وانسحبت إلى داخل حجرتي وأختي في يدي، تركتها تلعب وجلست بجانبها على الأرض أفكر؛ فأبي لم يعتذر أبدا عن عمله ولم يأتِ مبكرا أبدا!
ودخلت أمي علينا وهي ترتدي فستانها الأسود وطرحة خفيفة سوداء تضعها على شعرها الملفوف بإحكام، وقالت لي أنها ستذهب هي وأبي لزيارة أقارب لنا وأن جارتي ستبيت معنا اليوم.
جريت وارتميت في حضنها وقلت لها: خذينى معاك يا ماما.
فنظرت إلى وجهي وقالت: أنت الكبيرة، خدي بالك من أختك، أنت بنتي حبيبتي.
وذهبت أمي رفقة أبي، وعرفت في نفس اليوم من حديث جارتنا التى قامت برعايتنا أن زوج خالتي توفي وكان صديق أبي المقرب.
وعاد والداي، ولكن لم يعد أبي الذى أعرفه، أصبح والدي كالمريض، ليس فقط الحزن الذى يشعر به، ومرارة الفراق ولكنه شيء آخر، شيء أعمق من هذا وكأن هذا الموقف مس جرحا قديما بداخله أو بالأصح عقدة قديمة كبرت معه ولم يتغلب عليها طوال سنين حياته.
وجلسنا في المنزل وكنا لا نتحدث ولا نضحك كعادتنا أثناء وجوده في المنزل معنا، وكانت ملامح أبي جامدة متخشبة، وعيناه مليئة بالحزن والانكسار.
مر شهر وهذه النظرة لم تتغير، ثم سمعتهم يتحدثون عن طبيبة سيزورها أبي ليتحسن، لم أفهم وقتها وتسألت بيني وبين نفسى: وهل أبي مريض؟ وهل الحزن مرض مثل الأنفلونزا؟!
وكعادتي كنت أجلس أراقب من بعيد، أستمع إلى أحاديث أمي مع أقاربها وأنا أصطنع النوم كعادتي، كنت شغوفة دائما بمعرفة التفاصيل التى تخص أبي، وكان أخي الكبير يصطحبه مرة كل أسبوع لهذه الزيارة، وفهمت فيما بعد من أخي أن هذه الطبيبة يتحدث إليها أبي بالساعات فيرتاح، وكان أخي يجلس طوال هذا الوقت على سلم خشبي مقابل لمنزل الطبيبة أمام البحر، وينتظر أبي ويتمنى له أن يتحسن فالكل كان مهموماً بأبى، هذا الرجل العظيم الذي كان قدوة لكل من حوله ومثلاً أعلى، كان أحيانا يقوم بأكثر من عملين في اليوم الواحد إلى جانب زراعة الأرض؛ ليتكفل بما نحتاجه.
وفعلا تحسن أبي وقد توصلت هذه الطبيبة إلى ما كان يؤرق أبي كل هذه السنوات، وكان مختبئاً بداخله حتى ظهر مع أول مواجهة لموقف مشابه أثار بداخله نفس الألم القديم، والذي عاش به والدى لسنين، وهو يظن أن جرحه أصبح مجرد ذكرى، ولكن موت صديقه المقرب ذكره بموت والده.. بقتله، ووقتها كان الأخذ بالثأر شرفاً -بالطبع هذه المعلومات عرفتها عندما كبرت-،وواجه أبي هذا الموقف وهو بعمر عشر سنوات عندما قامت والدته بأخذ الثأر من كل من اشترك أو عرف بخطة قتل زوجها، لكم شعرت بالفخر بهذه المرأة القوية والتي تشبه ملوك الفراعنة.
كنت دائما أتخيلها كالملكه توتي شيري في قصة “كفاح شعب طيبة” والدة الملك كاموس.
آهٍ يا جدتي الحبيبة.. لكم شعرت بجيناتك بداخلي، لكم قابلت في حياتي مواقف شعرت فيها بهذا الجين وأحيانا أذهل لقوتي وصلابتي في مواجهة هذه المواقف.
هو هذا الجين منك يا جدتي، الجين الذى جعلك تنتقمي لزوجك وتخططي لقتل تسعة رجال.
وبرغم فخري بهذا الجين، فأحيانا أتمنى أن أترك الضعف يتسرب إلي، لكم تمنيت أن أضعف وأبكي، ولكن هذا الجين لا يسمح لي بالضعف، وكأنه كتب علي أن أرث هذا الجين وهذه القوة لأواجه بها قدري واختياري وأيامي.
لم أفهم وقتها معنى أن يتحدث أبي مع طبيبة فيستريح بدون دواء أو حقن، وفهمت أن النفس البشرية تمرض مثل الجسد ولكن العلاج أصعب؛ لأن التشخيص أصعب.
وهذه هي بدايتي مع الاهتمام بالنفس البشرية ومشاكلها، ورأيت في هذه الطبيبة القدوة والمثل الأعلى، وتمنيت أن أصبح مثلها.. أن أواجه النفس البشرية بمشاكلها وأبحث فى أعماقها عما يؤرقها.
وأصبح التحليل النفسي هو هواياتي، وشغفي، بل وعملي.
ساهي صلاح الدين

  1. نرمين يقول

    را ئعة

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق