عاصم صبحى يكتب : حَوَاري

0

علٓ الإحساس بالحنين إلي الماضي هو الدافع الرئيسي للكتابة في هذا الموضوع ، كيف لا و أنا من نشأت في إحدي الحواري بأهم أحياء الإسكندرية ألا و هو حي بحري الذي رسم أهم ملامح مدينة الإسكندر عروس البحر الأبيض المتوسط ، فالحي يعج بحكايات التاريخ السكندري و المصري عامة إذ كانت حواريه بمثابة المهد للعديد من المشاهير في مختلف المجالات .
كذلك هي حواري مصر القديمة و ما أكثرها ، تلك الحواري التي كانت ملهمة لكثير من الكتاب و المؤلفين علي رأسهم الأديب العالمي نجيب محفوظ ، كما كانت مصدر دائم للإزعاج بالنسبة للأمن و السلطات علي مدي تاريخ مصر إذ كانت تلك الحواري نقطة انطلاق لكثير من أوجه المقاومة الشعبية و الثورات و مركزا لتجمع المناضلون و الشعراء لعل أبرزهم في العصر الحديث أحمد فؤاد نجم و بيوم التونسي و سيد درويش و الشيخ إمام .
بالفحص و التدقيق تجد أن أغلب عظماء مصر في مختلف المجالات هم مواليد تلك الحواري فالأسماء لا تحصي علي سبيل المثال محمود المليجي ، يوسف السباعي و محمود شكوكو .
تلك الأحياء البسيطة بما تحتويه من أزقة و حواري حملت و لا تزال تحمل كل أصيل ، لكن تلك الأصالة لا تجدها الآن إلا علي الجدران القديمة أو في وجوه من هم في سن الثمانين و الذين عاصروا تلك الأصالة في الأخلاق و التربية و الحب و الود و الشهامة و التي تمثل بالنسبة لهم أحلي ذكريات عمرهم التي يعيشون عليها ، فإذا ذكرت أحدهم بهذه الأيام لابد أن تزرف عينيه الدموع ، كيف لا و هو يري كل شئ قد تبدل و تغير للأسوأ ، فلم يعد شئ كما كان من قبل اللهم إلا بيته أو غرفته الخاصة التي بالطبع لن تخلو من مقتنيات قديمة و صور فوتوغرافية تعيد لذهنه تلك الذكريات الجميلة .
حواري مصر القديمة هي تاريخ لا يقل في أهميته عن تاريخ و آثار الفراعنة بل هي أهم حيث أنها لا تزال علي قيد الحياة و تفرز لنا أجيال جديدة قد ينسلخوا عنها إلا أنها تمثل الحضن الدافئ الذي لابد أن تتشوق إليه و تعود له يوما ما .
كما أن لها من الأهمية كونها مصدر لا غني عنه و موطن أصيل للحرف اليدوية و التي في الغالب تسمي تلك الحواري باسم الحرفة السائدة فيها .
لقد أصبح من النادر أن تجد من يتوارث تلك الحرف اليدوية التي تمثل تراث قديم و حديث متجدد يجب الحفاظ عليه ، قد تتطور آلات الحرفة و تستبدل بآلات و ماكينات حديثة إلا أن الصنعة اليدوية يجب أن تبقي هي الأصل .
كم هي جميلة تلك الحواري القديمة بما تحتويه من ماضي تحن إليه القلوب و تشتاق إليه الروح ، لن يشعر بهذه الأحاسيس سوي من عرف الحارة عن قرب و عاش فيها و إختلط بأهلها البسطاء الشرفاء أصحاب الأخلاق و ذووا التربية و البيوت الأصيلة التي خرجت عظماء مصر .

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق