عاصم صبحي يكتب : للكبار فقط

0

 

عبارة كان يكفي وجودها علي أحد أفيشات أو إعلانات أحد الأفلام السينمائية لكي يسيل لها لعاب ذاك المراهق الذي يخطو خطواته الأولي في سن المراهقة ، تلك المرحلة العمرية في حياة كل إنسان و التي يبدأ فيها نهر حياة كل منا في الفوران و تدفق مياهه بقوة و عنفوان كأنه مقدمة فيضان جارف يشق طريق حياته بين رمال و صخور و حجارة خالقًا لنفسه مجري لا يعيقه شئ حتي يصل إلي مصبه ، قد يكون نهر عظيم تتفرع منه عدة أفرع ، و قد يكون مقدرًا له السريان المؤقت قصير المدي لا يعدو تأثيره إلا أن يكون مجرد أثر بعد عيان .

يولع الفتي بعبارة للكبار فقط ، يختلق الفرص من بين أنياب الأسد ليشاهد أو لمجرد الإطلاع علي معلومة عن عالم هؤلاء الكبار ، فتارة تكون المعلومة جنسية و تكون هذه هي مبتغاه ، فهو الذي بدأ لتوه الشعور بالتغيرات الفسيولوجية في جسده ، و بدأت الأحاسيس و المشاعر تسري في عروقه و جنباته و بدأ القلب يدق و يخفق كلما لمحت عيناه إبنة الجيران ، و قد يسعي للتلصص لإستراق نظرة لجسد امرأة عار ، و تارة تكون المعلومة مرعبة ، و هنا يقل الاهتمام و الرغبة في الاطلاع و المعرفة ، قد يكون الشعور بالخوف فعلا من تلك المشاهد أو الصور المقززة المليئة أحيانا بالدماء و أحيانا بلحظات الترقب و الرعب ، لكنه يمتلك من الفضول ما يجعله يقدم علي معرفة اليسير من ذلك العالم الآخر أو الوجه الآخر لعالم الكبار .

تمر السنون و يكبر و ينضج صاحبنا ليصير شابًا يافعا ، لا تزال مياه نهر حياته تتدفق بقوة شاقة طريق حياته ، و تختلف النظرة و يتسع الإدراك و يمتد البصر و تتبدل المعاني ، فعالم الكبار لم يعد جنسي كما لم يعد مرعبا ما كان يظنه مرعب ، فعالم الكبار أصبح له معني آخر و هو عالم المال .

سعي الشاب و تحفز و تسلح بالعلم و أخذ بأسباب جمع المال شرعًا و بمجهوده و عمله و ذكائه مستعينًا بخبرات و نصائح من سبقوه لعالم المال و الأعمال ، تحقق له ما يريد في وقت يحسد عليه ، فما أن تخطي الأربعون من عمره حتي صار واحد من كبار رجال الأعمال ، يا له من عالم براق أخاذ ذو رونق و مهابة يتطلع إليه الكثيرين ناظرين إلي هذا العالم بعين الإحترام ، يظنه البعض أنه هو بالفعل عالم الكبار و أن هذه الدنيا قد خلقت لهم ، فهم الكبار بثرواتهم يمتلكون كل شئ ، و يراه البعض الآخر أنه مجرد جزء من عالم الكبار أنا الجزء الآخر فيكمن في السلطة … و كان صاحبنا من أصحاب هذه النظرة ..

هدأت مياه النهر بعد أن أصبح للنهر مجري عميق و أصيل في الدنيا ، لكنها ما زالت تحتفظ بنشاط مدخرة قوتها لما قد يصادفها أثناء سريانها قاصدة المصب الذي لا فرار منه … إذًا نضج رجلنا و أصبح أكثر ثراءا إلا أن نظرته لعالم الكبار قد تغيرت ، فهو يري عبارة للكبار فقط الآن علي باب السلطة .. أثقلته الخبرات و التجارب فعالم السوق و الأعمال مدرسة حياتية بحق ، قرر برصانة لا تخلو من روح المغامرة التي إعتادها و أصبحت سمة من سمات شخصيته أن يكمل مسيرة الكبار .. في غضون عدة سنوات لمع اسمه في عالم السياسة من باب مجلس النواب و إزداد بريقًا و ثقة و شعر أن النهر أصبح مكتملًا و عميقًا بالقدر الذي يكفل له البقاء لتروي مياهه كل من يحيطون به و تعتمد حياتهم علي وجود هذا النهر .

شارف علي الستين من عمره أصبح له عائلة ، فالنهر أصبح له أفرع تفرعت منها أذرع ، فها هو صاحبنا أصبح جد يري أحفاده يلعبون و يمرحون أمامه ، يستمتع بمشاهدتهم يلعبون ، يستمتع بالرد علي أسئلتهم و استفساراتهم ، يساعد في حل مشاكلهم هم و أبنائه هو و البعض من الأقارب المقربين و البعض من أبناء الأصدقاء أيضا .. هنا لاحظ شئ مهم و مثير للانتباه ، فقد عثر علي باب آخر من أبواب الكبار ألا و هو كبير العائلة صاحب الرأي السديد و المشورة و ملجأ الضعفاء .. إذًا فقد اكتملت له معاني عبارة للكبار فقط .

لا ليس بعد ، فهو يشعر دائما أن هناك باب أكبر أو معني أشمل و أدق في هذه المرحلة من جريان النهر الذي أوشك أن يصل إلي منتهاه و مصبه .. أي نعم قد تجلت له معاني الثروة و السلطة و العائلة إلا أن هذه المعاني لا تعدو أن تكون ممرات صغيرة لابد لها أن تؤدي إلي باب أوسع و أعم .

لم يحيد صاحبنا طوال مسيرته عن طريق الاستقامة ما استطاع ، فهو القريب من الله عز و جل ، عامل بأوامره و متجنبًا لنواهيه .. لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها .. قارئا لكتابه الكريم .. فقد كانت تلك الصلة الدائمة بربه هي الركن الشديد الذي يركن إليه في الشدائد و المصاعب و هي بكل تأكيد المصباح الذي أضاء له طريقه و قوي بصيرته التي دعته للبحث عن ذاك المعني الأعم و الأشمل لعبارة للكبار فقط ، هذا المعني الذي تجلي لصاحبنا بكل وضوح .

إذًا فتلك العبارة التي قرأها طوال حياته و سعي ليكون واحدًا من الكبار في كل مرة تصادفه ، تلك العبارة التي اتخذها عنوانًا لحياته لم تكن لتغيب بالمال و الثروة و لا بالسلطة و النفوذ و لا بكونه كبير عائلته إلا أن هذا الباب بالذات قاده إلي المعني الأشمل و هو الحكمة .. نعم الحكمة التي لا تنال بالسعي لها بل هي منحة و عطاء جزيل و خير عظيم يمن به الله سبحانه و تعالي علي من يشاء من عباده .

لا يشترط أن تكون ذا مال أو سلطة أو عزوة فلقمان الحكيم كان مولي أي عبد يعمل نجارًا و قد أوتي الحكمة من لدن الحكيم الخبير الذي لا راد لحكمه و مشيئته .

هدأت المياه و شارفت علي المصب و أصبح النهر عظيم بروافده و بعطائه و اطمأن لكونه نهر كبير لن يجف و لن يموت فأصحاب الحكمة لا يموتون بل تظل ذكراهم عطرة و عطائهم غير محدود.. و ابتسم صاحبنا و اطمأن كل الاطمئنان و هو يقرأ قوله تعالي” يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269)”

اترك تعليق