علا حسن تكتب : حواديت

0

-الأسكندرية.
-الثالثة عصراً

البحر أمواجهُ القوية تضرب الشاطئ..
نور الشمس مرسوم كاللوحة على سطح الماء كاللألئ..
المارةٌ تملئ الشارع تسير هنا و هناك غير مُباليه بالبحر و امواجه إلا – هي-..

تقف أعلى – كوبري ستانلي- تنظر إلى البحر تلك النظرة الطويلة.. نظرة “عشق” تقول فيها – انت تعرف ما بي وما أصاب روحي- كأنها تُحدثه تحكي له أسراراً عاهدت نفسها ألا تُفشيها ﻷحدٍ سواه .
فما عاد أحد يفهم صمتها غيره و يمسح على قلبها بأمواجه فيُمحها وجعِها..
فأخر مرة زارته فيها لم يكن يعرف قلبها للوجع معنى كانت تلك الصغيره التي لا تعيرُ للحياة اهتماماً و لا هماً سوى اللعب في الرمال، ظلت تنظر إلى البحر دون ان تنطق بكلمة واحدة ، اغمضت عينها و أخذت نفساً عميقاً يملئ صدرها و انتهى بتلك التنهيدة التى تصل لحد “الشهقة” و كأنها تخرج ما بقلبها و روحها من وجع و أسرار لا يعرفها سوى البحر ؛ فيضرب بعدها الشاطئ بأمواجه و كأنها علامة منه انه يسمعها و يشعر بها تلك العلاقه الغربيه بينهما التي لم تجدها سوى مع البحر، حتى انها كانت دائما ما تظن انها – وفى حياة أخرى- سمكة أو دولفيناً، حيث لا تفعل شيئا سوى السباحة طوال الوقت و الأستمتاع بحريتها فى أقرب مكان لقلبها ، و لكن من يدري فربما وقعت فى يد صياد ، أو تبتلعها سمكة مفترسة ، فمن يعرف بأي حال ما هي الحياة فى البحر و لكنها كانت متأكدة انها لن تكون أقسى من حياتها مع البشر، كل ما دار فى ذهنها كم كانت لتستمتع بالماء و الحرية و الهواء دون قيود..
فتحت عيناها مع إبتسامة عريضة و هي مازالت تتخيل نفسها تقفز فى الماء .. تنفست نفساً عميقا لتشبع صدرها من هواء البحر و أشارت له بيديها مودعةً إياه ..
نظرت إلى ساعته انها الرابعة و النصف و أشارت ﻷول تاكسى مُسرعة لتلحق بقطارها للقاهره فلقد قطعت هذه المسافة لتُشبع عينها بنظرة للبحر و ظلت تقول في نفسها “انا ليه ما اكملش حياتي كلها هنا ” و ظلت تضحك و تنظر إلى البحر مودعه إياه حتى ظن سائق التاكسى انها – مجنونة- أو تعانى من خطب ما – هكذا يظنها الجميع- ..!

نزلت مُسرعة إلى المحطة و حمدت ربها انها لحقت القطار فى اللحظات الأخيرة فهى لا تريد ان تُعكر صفو يومها بسبب التأخير..

جلست لا تفكر سوى فى البحر و كيف له مفعول السحر فى روحها .. كيف تأتي له فى كل مرة مُحمله بهموم الدنيا و تذهب بعدها كأنها ولدت من جديد و كأنه يَمحيّ ما فعله بها البشر ..
البحر ذلك الصديق الذي لا يتخلى عنها ابدا مهما كانت الأحوال.
و لكن ؛ لم يكن البحر هو صديق “نور” الوحيد بل كان هناك من هو أهم و أغلى .. صديقها “بحر” أو هكذا كانت تُسميه .. الصديق الذى لم تكن تُخفي عليه أمراً فلقد كانت تعتبره بمثابه المرآة لها ترى فيها نفسها دون أى مجاملة ..
لم تكن “نور” تلك الفتاة التى تختطف الأنظار بل كانت فتاة عادية أو هكذا كانت تظن .. إلى ان تعرفت على “بحر” فدوماً ما كان يُزيد من ثقتها فى نفسها و يمدحها لم تكن تشك لحظه انه يجاملها ليصل لشئ ما .. كما كان يفعل البعض معها لكنه كان يراها جميله حقاً و لم تنسى كلماته حين سألته فى يوم عن السبب..

-نور: “اشمعنى أنت بس اللي شايفني كده .. نفسي كل الناس تشوفني زيك”.
-بحر: “عشان انا شايفك كلك على بعضك من جوه زى من بره بس هما بيشفوكي من زاويه واحده بس! “.

كانت لكلماته مفعول السحر كما كان يفعل البحر فى روحها .. حتى انها كانت تري نفسها أجمل كلما تحدثت معه ..
بحر ذلك الصديق الذي لطالما تمنت ان يحبها و لكنه لم يفعل و لا هي فلقد كانت تربطهما اشياء أهم بكثير من قصص الحب البلهاء التي تنتهى بفراق!
بحر هو من علمها شغف الحياة و شاركها اهتمامتها و حبها ﻷغانى “الست و عبد الوهاب” و لكنها تركته ايضاً فى الأسكندرية و كأنما كل ما تحب و تهوى متعلق بتلك المدينة .. ظلت الفكرة تدور فى ذهنها و حدثت نفسها قائلة “على الأقل عرفت دلوقتي مكاني الحقيقي اللي لقيت روحي فيه .. ” و اغمضت عيناها و ظلت احلامها الوردية تُداعب عقلها ..
و ما بقى مع نور سوى أملها ان تعود إلى الأسكندرية مجدداً لتعود للبحر و ترى بحر :).

#تمت
#حواديت

اترك تعليق