فهد سليمان الشقيران يكتب : بين غضب كيسنجر ومزحة «After Life»

0

بطل مسلسل After Life «طوني» لم يعد بوارد أن يطيق شيئاً باستثناء الحديقة، والتنزّه مع كلبته. صحافي يعمل بجريدة مجانية دعائية، ويحدث أن يعاوده الزوار بقصصهم العادية، أما وقد وقع في أزمة ذاتية، هنا بدأ النزق، وله بذلك شؤون. يندر أن تصوّب إليه عبارة وتمر إلى مرماه.
اختار أسئلته المباشرة، وفي الحلقة الثانية يسأل: «لِمَ يفضل الناس أن يشتهروا بأمور تافهة، بينما يمكنهم ألا يشتهروا إطلاقاً؟». هذه حكاية مرحلة بأكملها.
إنها إرادة الحضور بأي ثمن من دون مبررات أو محتوى، وعليه فإن الحيوية التي تقدمها «السوشيال ميديا» تؤثر الآن على العالم بأكمله. الأجهزة بكل تفريعاتها، والتطبيقات بكل تفاصيلها تعصف بكل شيء.
التقنية لم تعد لعبة، ولم تعد أداة بيد الإنسان، وإنما بدا العكس، صار الإنسان أسيراً لها.
رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي صرّحت بأن: «الشركات يجب أن تبدأ عبر الإنترنت بتحمل مسؤوليات تتعلق بالأنظمة، والعمل على مساعدة ثقة الجمهور بهذه التكنولوجيا. نحن نضع واجباً قانونياً في رعاية شركات الإنترنت للحفاظ على أمان الناس».
ويمكن الاستعانة في هذا المجال بسياسي ودبلوماسي مخضرم، بل ومطلع فلسفي نادر، ومنقب بتراث الشعوب، وصائب بنبوءات مستقبلية كثيرة، إنه هنري كيسنجر، بكتابه الموسوعي «النظام العالمي» الذي فصّل الحديث عن جدلية المعرفة والشبكات والتطبيقات، بفصل صغير في آخر الكتاب.
حكمة الخبير كيسنجر، لا تنحصر بالدبلوماسية وأدواتها، ومعاركها، وإنما بانت آثارها بالكتاب حكمة عمر، ورسمت السطور كل تجاعيد السنين، وومضاته تعبر بالقارئ بين القرون.
من عميق قوله إن «التعلم من الكتب يكافئ التفكير المفهومي، قابلية التعرف على المعطيات والأحداث المتشابهة وإضفاء الأنماط على المستقبل. يقحم الأسلوب القارئ في علاقة مع المؤلف، أو مع الموضوع، عن طريق إذابة الجوهر والجمال في البوتقة».
هذه صيغة لا تمنحها الحالة التقنية التي يستخدمها البعض، ومهمة علمية وتربوية أن نتجاوز النمط المدمن على التقنية، لتوثيق صلة المتعلم، أياً كان… بالكتاب.
ثم يقارن بين الحوار الشخصي والحوار التقني، وأحسبه تأويلاً يتحدث عن تطبيق «الواتساب» صياغة قد تنجي الكثير من الناس من وضر الاحتكام إلى الحروف المصفوفة، فيقول: «تقليدياً، تمثلت طريقة أخرى من طرق حيازة المعرفة بالمحادثات الشخصية. فمناقشة الأفكار وتبادلها ظلت عبر آلاف السنين توفر بعداً حقيقياً وسيكولوجياً، إضافة إلى المحتوى الفعلي للمعلومة المتبادلة. تضيف هذه المناقشة تجريدات اليقين والشخصية. والآن تحاول ثقافة التنصيص إنتاج عزوف عجيب عن التفاعل وجهاً لوجه، ولا سيما على أساس شخص لشخص».
إن النقاش الشخصي يكون أكثر ثراءً على مستويات المعرفة، وتلقي النظريات الحديثة، وتداول التفاسير الجديدة بين بعضهم البعض بمحاضرة أو ندوة منها بدردشات التطبيقات الاجتماعية مثل: «فيسبوك»، «تويتر»، وغيرهما.
كيسنجر يعتبر أن التقنية تميل إلى تقزيم الذاكرة التاريخية. وُصفت الظاهرة على النحو التالي: «الناس ينسون أموراً يظنون أنها ستكون متوفرة خارجياً ويتذكرون أموراً يظنون أنها لن تكون متوفرة».
سهّلت التقنية من حصول الكثيرين على معلومات من دون أي اعتبار للحفر في المتون. ركَن البعض إلى التقنية باعتبارها مصدراً موثوقاً بالأبحاث الأكاديمية والشؤون العلمية. باستثناء مؤسسات مهمة لا تزال حذرة، إذ ظلّت الإنترنت موئلاً طيعاً للبعض من دون لجمٍ أكاديمي ضد هذه الفعلة، إذ المراجع والمتون، وإدمان المطالعة هي أساس النص البحثي والمعرفي.
يضيف كيسنجر: «إذا ما امتلك الناس قابلية الاطلاع الحر على المعلومات العالمية وتبادلها، فإن الاندفاع الإنساني الطبيعي نحو الحرية سيتجذر فيحقق ذاته، وسيتمكن التاريخ من التحليق والملاحة ذاتياً، إذا جاز التعبير. غير أن الفلاسفة والشعراء طالما دأبوا على فصل دائرة نفوذ العقل إلى ثلاثة قطاعات: المعلومات، المعرفة، والحكمة. تتركز الشبكة العنكبوتية على المعلومات، التي تيسر انتشارها أُسياً. ثمة وظائف متزايدة التعقيد باطراد يتم اجتراحها، استثنائية القدرة على الاهتداء إلى أجوبة أسئلة الواقع، تلك التي لا تتغير هي نفسها بمرور الزمن. محركات البحث مؤهلة للتعامل مع أسئلة متزايدة التعقيد بسرعة متصاعدة وبوتائر متسارعة. ومع ذلك فإن أي تخمة معلومات قد تعيق، ويا للمفارقة!، حيازة المعرفة وتبعد الحكمة أكثر مما كانت من قبل».
ثمة فرق بين المعلومة المتاحة، والنص المقروء. المسافة تعبّر عن عظم المرحلة بين القراءة والدردشة. المرحلة صعبة. والرحلة وعرة. ولكن هذا النداء من السياسي المخضرم، بواحدٍ من أهم كتبه يفتح الباب للنقاش حول معانٍ كثيرة.
حين تتأمل بكل هذا الفيضان من الصور، والفيديوهات، والتطبيقات، تتعجب من شغف الآلاف بهذه الثرثرة المملة، والحمق المريب!
زار «طوني» بطل مسلسل «After Life» شاباً يتطلّع لخبرٍ في جريدة دعاية، قصته أن يضع صفارتين على منخاريه ثم يصفّر بقوة وباغتباط… كان مع مساعده مصعوقاً وسط إلحاحٍ أن يكون خبر الحادثة بالصحيفة، خرج طوني قائلاً: «ينفخ الصفارتين بأنفه، لا أعلم ماذا يستفيد العالم من هذا؟!».

* نقلا عن “الشرق الأوسط

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق