محمود حبيش يكتب | الجدلية الأبدية حول إمكانية فصل الدين عن السياسة

 

 

عزيزى القارئ سواء كنت من الذين يرون ضرورة فصل الدين من تفسير التاريخ و تطهيره من دنس السياسة وتبرئته من التعصب وأعمال العنف التى تتم بإسم الدين لأغراض سياسية بحتة، أو كنت ممن يرون أن الدين ليس دعوة سلمية لحفظ الأخلاق فى الدنيا وتأمين الخلاص فى الآخرة ودخول الجنة وحسب، وإنما هو دعوة سياسية ومشروع دنيوى أيضاً، فدعنا نتناول هذه الجدلية من عدة جوانب .

– إن معضلة فصل الدين عن السياسة من المشاكل الجدلية على مر العصور فدائماً ما كان الكاهن جزء من السلطة، وفى العصور الوسطى غالباً ما كان السياسيين و الحكام هم رجال الكنيسة أنفسهم أو شيوخاً ومجاهدين وحتى فى عصر النهضة وعصر العولمة اليوم مازال منصب البابا وشيخ الأزهر ومرشد الثورة و غيرهم من المناصب المقدسة محصنة غير قابلة للعزل ومازالوا يُرغبون أو يُرغمون على تقدم أى مشهد سياسى .

– لا عجب أن فى الماضى كان الدين هو المحرك الأساسى للجماهير والمتحكم فيها وكان الخطاب الدينى هو الأقرب لتجيشها و ضمها للحركات الكبرى ( كالحملة الصليبة أو قيام الخلافة العباسية التى قلبت الدولة الاموية ) ، ففى كلاهما كان الدين بإختلافه محركاً مرتبطاً بالعقيدة الأصيلة للحشد فكانت أرواح المسيحيين فداء معتقداتهم الدينية و تأمين مناطق الحج لديهم و قام الانقلاب على الأمويين مقابل كلمه واحده و هى نولى من ترضون من أهل رسول الله ﷺ فقامت الدولة دون قائد محدد شرفاً لشخص الرسول الكريم و نكاية بالأمويين لما قاموا به بحق آل بيت الرسول من وجهة نظر الثوار .

– بعد توجه أوروبا والغرب للعلمانية فى العصور الحديثة تبدلت الأدوار بين الدين والسياسة، فأصبحت الأحزاب السياسية والنقابات العمالية هى التى تعبئ الجماهير وتنزلها الى الشارع، لقد حلت السياسة محل الدين، لكنها استعارت منه نفس الخصائص النفسية فأصبحت السياسة ديناً ملعمناً، فجعلت البشر عبيداً لأفكارهم الخاصة بذاتهم أو توجهاتهم أو حتى أحزابهم السياسية .

– فبدلاً من حروب الأديان السابقة أو حتى الحروب الطائفية بين أبناء نفس الدين كحروب البروتستانت والكاثوليك أو حروب السنه والشيعة، حلت محلها الحروب العلمانية بين الأحزاب كالاشتراكية والليبرالية .

– فالدين و السياسة خيطان مجدولان فى نسيج السلطة لا يمكن الفصل بينهم فى الأمور الحياتية ولا ينفصلان الا فى محاريب الصلاة و فى المناجاة بين العبد وربه فقط حتى فى أكثر الأنظمة علمانية مازال الدين حاضر بقوة وإن كان بشكل غير مباشر فالتيار اليمينى المتطرف فى أمريكا ينافس على الانتخابات البرلمانية بشراسة ليمنع تدريس نظرية دارون فى المدارس و يجرم الشذوذ الجنسى فهل هذه الممارسات مرجعيتها الدين أم السياسة ؟ ومن يهاجم المدنيين العُزل ثم يقيم الصلوات فهل يقصد بها الدين أم السياسة ؟ والأمثلة كثيرة لا حصر لها .

– فكان من الأحرى أن تُحترم حريات العقائد للجميع و نحافظ على الهويات للشعوب و المجتمعات و تُسن القوانين ملزمة للجميع لما فيه الصالح العام للشعوب و تحقق الديموقراطية على اساس الكفاءة و الانتخاب، لذا فكانت الليبرالية الاجتماعية هى الأقرب لفكر العامة ولا تتعارض مع هويات أو معتقدات أو ديانات أحد، لكن الأبعد للأنظمة الاستبدادية القمعية سواء بغطاء الاشتراكية أو النازية أو الفاشية او بغطاء الدين بمسمى السلطة الشرعية .

 

 

التعليقات متوقفه