مصطفى شرف يكتب : ذلك هو أنا مع الاعتذار لكل من وصلوا الستين عاما وتجاوزوها

0

 

على هامش بداية الشهر الأخير لعام 2019 :
حينما يتخطى الرجل سن الخمسين ويشرف على سن الستين يخفف ملابسه؛ لأنه لم يعد يتحملها ويمد ذراعيه أعلى رأسه التي امتلأت بالدوار ، في أذنيه طنين، وعيناه التي قصرت مسافتاها – فيحدقهما ليدقق النظر – تنظران أسفل قدميه، بظهر مقوس يمتطي من عبق ذكريات الماضي أي شئ جميل ليزيد به طاقته، ويمشي بحالة هو أقرب إلى الثبات منها إلى المشي،حافي القدمين مغبر الشعر، طالت أظافره، واتسخت كل أجزاء جسده الذي لم يعد يتأثر بحر أو قر، ويدفع بكلتا راحتيه جدار الحياة شاعرا بالضعف غير آبه بمن وما حوله، متيقنا أنه لو أنزل إحدى ساقيه لم يستطع إيصالها لنفس مكانها مرة أخرى،يتذكر ظلمه لنفسه كثيرا، وكثرة ظلم الناس له، يتمتم بكلمات ليخرج بها من غيابات جب حزنه منها (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) و(أصبحنا وأصبح الملك لله) (والحمد لله رب العالمين)و(حسبي الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد )
يزعجه موعد دواء على بطن خاوية إما بسبب الفاقة أو لعدم رغبة في الطعام، يؤلمه وخز إبرة الأنسولين التي تتكرر مرتين في اليوم الواحد تحت السرة وما أدراك ما عذاب إبرة ما تحت السرة ! ، وكفاك منها قضم أسنانك على بعضها وارتعاش يديك وإغلاق خيشومك وإطباق شفتيك، وإبرة الفيتامين التي تتكرر كل ثلاثة أيام، وحموضة المعدة من كثرة الدواء فبين دواء السكر والضغط والأعصاب والقلب وإرهاصات جلطات سابقة متعددة ونهش الكلاب في أطرافك بسبب مضاعفات السكر، وأيضا جفاف قاع العين، وانفراط عقد الأسنان، وألم إنزلاق غضروفي شديد مع عرق النسا، والسير متكئا على عصا قبل الموعد، هذا غير جدول ما يتأتى من أمراض يجعله فاقدا لترانيم الحياة؛ فلا همس للسواقي ولا صوت لخرير المياه ولا لهديل الحمام ولا معنى لحفيف الأشجار، ولا أثر لجميل شعر أو حسن نثر .
ذهب شذى الورد والياسمين وبقيت رائحة القمامة العفنة.
ماتت الضحكة البريئة وخيم الصمت والإطباق على الشفتين وارتعدت النفس فأصبحت أحشاؤها باردة لدرجة تخيف من الموت .
الفتوة والصبا وذكريات الشباب طارت أدراج الرياح، حبات العرق لم تعد لؤلؤا، وقطرات الدم باتت كالسائل المصبوغ بلون يشبه حمرتها، تحزنه الأنواء التي لم يعد قادرا على مواجهتها بعد أن تآكلت أشلاء جسده والتي أصبحت كأطراف قطع الصابون المبلل بالماء.
أين أثر زفيره على جدران المعابد؟ ولله در أيام لو وضع إصبعه على الجدار لخرقه!
تؤلمه أشياء كثيرة لا يستطيع ذكرها إما لتحرج أو لتأثم أو لأشياء إن قالها تحسب عليه فكثير من الناس يتربصون – حسبي الله عليهم- .
أحيانا يتمنى الموت؛ لأنه مخرج لأشياء كثيرة أضمنها أن رحمة الله أقرب من رحمة عباده الظلمة ، وأن الله أعدل ممن خلق ، يعود فينسى أو يتناسى فيهرع إلى الجدار وهو يعلم أن دفعه قد لا يجدي كثيرا ولكن على سبيل المحاولة التي لولا الأمل فيها لتوقف ترس الحياة.

الأحد 1/12/2019
الإسكندرية

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق