منة الله المشيرفى تكتب : الفراشة والنور 

 

” يا ابن آدم أحبب من شئت فإنك مفارقه ”

من فترة كنت بتكلم مع مجموعة من الأصدقاء عن التعلق أو الحب الزائد سواء لشخص أو لمكان أو لشئ معين ..

وهل يوجد فرق بين الحب والتعلق ؟

وما هى أسباب التعلق ومتى يشكل التعلق خطر على حياتنا؟

وامتى بنشعر إننا بدأنا نتعلق بشخص أو بمكان ؟ وما مدى تأثرنا به وتأثيره علينا؟

 

لخص ابن دريد الأزدى أحد شعراء العصر العباسى معنى ومعاناة التعلق فى هذه الأبيات :

فما فى الأرض أشقى من محب وإن وجد الهوى حلو المذاق ..

تراه باكيا فى كل حال مخافة فرقة أو لاشتياق ..

فيبكى إن نأوا، شوقا إليهم ويبكى إن دنوا، حذر الفراق..

فتسخن عينه عند التلاقى وتسخن عينه عند الفراق..

 

التعلق هو إنك تقبل بشخص زى ما هو كده وعدم رغبتك فى مفارقته أبدا ، وإذا ابتعد عنك تغضب، وتكون دائما فى شوق للقائه وممكن يوصل الأمر إنك تمرض لو غاب عنك أو إذا حدث شئ هدم علاقتكم ببعض..

الشخص المتعلق بالآخرين دائما حزين لإنه علطول خايف وعايش فى قلق، خايف من الفراق أو من ألم شعوره بالاشتياق للشخص اللى متعلق به…

التعلق هو شعور أعلى درجة من شعور الحب، فى مفهوم ناس كتير إن كل ما ارتفعت الدرجات فى شئ أصبح أفضل، لكن هنا بيكون العكس !!

 

من زمان وأنا بحب الفراشات جدا، ألوانها جميلة، زاهية ومبهجة، بتطير بخفة، ومن كتر حبى للفراشات لازم يكون فى مقتنياتى شئ على شكل فراشة، حتى لما بكتب اسمى بحب ارسم جنبه فراشة..

نفس الشئ بالنسبة للنور، بحبه وبحب الشمس ودفاها وشروقها علشان بتنور الدنيا، ونور القمر بينور عتمة السماء بالليل، دائما النور بيمنحنى الأمل ..

دائما بشوف الفراشة بتحوم حول النور ، بتحبه وكأنها بتأنس بالقرب منه، لكن السؤال هنا هل النور هو كمان بيحب الفراشة ولا لا ؟

والإجابة هى لا !!

الفراشة كانت كل ما تطير بفرحة حول النور وتقرب منه، النور مكانش بيزيدها بهجة بالعكس كان بيطفيها علشان بيحرقها..

يمكن إحنا بنشوف شكلها بقى أحلى وألوانها بتلمع علشان وجودها جنب النور لكن للأسف كل ما تقرب كل ما كانت بتتأذى…

ووقتها عرفت حاجتين، الأولى : إن مش دائما كل حاجة إحنا بنحبها تصلح لنا، فى ناس قربنا منهم بيزيدنا جمال وبهجة وفى ناس قربنا منهم بيحرقنا ويطفينا…

الحاجة التانية : إن حياتنا عبارة عن مثلث، إحنا الفراشة الموجودة فى النص، والزوايا عبارة عن النور ( الشئ أو الشخص اللى بنحبه) ، الصياد ( الأشياء أو الأشخاص المؤذية)، الأزهار (الناس المحبة لنا)..

مشكلة الفراشة هى نفس مشكلتنا، وهى إنها متعلقة بالنور ومش مدركة إن النور ده هو اللى هيتسبب فى أذيتها !

امتى الفراشة كانت هتفضل جميلة ومبهجة؟ لو كان النور قدر حبها له وقدر وجودها جنبه ومحرقهاش …

السؤال هنا كام واحد فينا فراشة وكام واحد نور ؟

وبكده يبقى عرفنا معنى التعلق وامتى بيشكل خطر على حياتنا..

 

هل التعلق بيكون بين الأحبة فقط ؟

لا، لأن زى ما فى أنواع للحب فى أيضا أنواع للتعلق …

مثلا: تعلق الأم بأطفالها أو بطفل معين والعكس، تعلق صديق بصديقه، كمان التعلق بالأماكن …

السؤال ليه بنتعلق بناس معينة أو بأماكن معينة ؟

أول سبب؛ شعورنا بالوحدة والخذلان نتيجة مرورنا بتجربة سيئة ، فلما بنجد مكان بنرتاح فيه أو شخص بنحبه بيبقى بالنسبة لنا هو النجدة، فبنمسك فيه بإيدنا وأسنانا زى ما بيقولوا علشان منشعرش بالوحدة تانى، وبالتالى بيكون ده الملجأ والملاذ الآمن..

السبب التانى: الاهتمام الزائد، تبقى قاعد لا بك ولا عليك فجأة تلاقى نافورة اهتمام بتغرقك ومتعرفش السبب وتقعد تقول لنفسك اكيد الشخص ده شاف الإنسان اللى جوايا وأخيرا وجدت My soul mate.

بس للاسف غالبا بيطلع

Your alien or friend with benefits

أو بيطلع مجرد ضيف فى حياتك

Guest in your life

خد بالك لأن كثرة الاهتمام تجلب التعلق ..

السبب الثالث: عدم وجود شخص متفهم فى حياتنا، فجأة يظهر شخص على إنه Our hero ، وهنا بتبقى الكارثة لما بنضع فيه كل ثقتنا..

كل دى أسباب وأخطاء، ايوه أخطاء لإنها فى النهاية بتكون مؤذية لنا إحنا حتى لو ملناش ذنب، لإن بمجرد بعد الشخص ده عنك لأى سبب أو لو المعاملة اتغيرت ، قلبك بينكسر ، بتمشى وكأنك تايه وتسأل نفسك ليه؟ غلطت فى إيه؟

هقولك إنك غلطت فى ٣ حاجات؛

أول غلطة ممكن متكونش غلطتك أنت بس بتكون غلطة فى النفس البشرية وسوء طباع من الآخرين، لأن فى نموذج من البشر مريض، هوايته السعى وراء الآخرين إلى أن يضمن حبهم له وتعلقهم به وفجأة يختفى من حياتهم وبيكون مستمتع جدا وهو حاسس إنه مرغوب فى وجوده فى حياتهم، أو ربما إن الشخص ده يكون فعلا وقتها كان شايف إنك الشخص المناسب كصديق أو كحبيب بس بعد كده معرفش أو مقدرش يكمل ، فبدل ما يعتذر، يخذل ويغدر ويختفى، وده عذر أقبح من ذنب..

فكر كده قابلت كام شخص بالمنظر ده !

الغلطة التانية: إنك عملت زى الفراشة، فضلت تقرب تقرب من النور لحد ما اتحرقت…

دائما حافظ على وجود مسافة بينك وبين الآخرين، حب وود الناس لكن من بعيد ، متقربش للدرجة اللى ممكن تتأذى بها لو صحيت فى يوم ولقيتهم مش موجودين..

الغلطة التالتة: لازم تواجه مشاكلك، كلنا عندنا مشاكل، إحنا مش مرفهين ولا أقوياء على طول الخط..

المهم إنك تعرف مشكلتك وتواجهها وتبدأ فى حلها، علشان لما تقابل النور متجريش عليه..

 

وآخرتها إيه الحل؟

الحل دائما فى ايدك ؛

١- دائما ارسل لعقلك Positive messages

بإنك خلاص مكتفى بذاتك، انت شخص جميل وممتاز ، واللى بيخسرك بيخسر كتير، صداقتك مكسب والبعد عنك خسارة، حب الناس لكن حطها حلقة فى ودنك عمر الناس ما هتحبك غير لما تحب نفسك.

٢- التعود ، اتعود تقعد لوحدك ، تفكر فى نفسك، فى اهتماماتك، فى الأشياء اللى بتسعدك، تشوف انت عايز توصل لإيه فى حياتك.

٣- اوعى تربط نفسك بحد، متربطش أى نشاط بتحبه بوجود شخص معين أو بمكان معين.

٤-اشغل نفسك على اد ما تقدر ، سافر، اخرج، جرب حاجات جديدة، اتعرف على ناس كتير، وسع دائرة معارفك، كل ما تشغل نفسك كل ما هتنسى، الوقت هيعدى وهتنسى، صحيح فى ناس بتترك فينا ندوب وممكن منرجعش زى الأول لكن الأكيد إننا بننسى وبنكمل.

٥- اتخلص من كل حاجة بتفكرك بخيبة أملك فى الناس دى..

It’s the time to revive 😉

٦- ولو كنت متعلق بأماكن ، غيرها، جرب أماكن جديدة، خد اجازة منها.

٧- أهم حاجة إنك تتوكل على الله، خلى تعلقك بالله وحده، مفيش حد بيحل مشاكل ولا أى حاجة فى الدنيا غير ربنا وبس، الفكرة إن ربنا بيسخر لك ناس ، وعلشان تضمن عدم تخليهم عنك، ركز فى علاقتك مع ربنا وبس، لأن كما قال الشافعى: “كلما تعلقت بـشخص تعلقاً أذاقك الله مر التعلق لـتعلم أن الله يغار على قلب تعلق بغيره فيصدك عن ذاك لـيردك إليه” .

فيارب لا تعلق قلوبنا إلا بك …

 

خليك فاكر الفراشة كل ما كانت بعيدة عن الناس كل ما كان شكلها أحلى وكل ما كانت حرة والناس مستمتعة برؤيتها إلى أن يقتربوا منها، الطيب اللى فيهم بيحافظ عليها وبيشوفها جميلة واللى بيدقق فى تفاصيلها بيشوفها مجرد حشرة..

ودائما خد بالك طول ما أنت فراشة هتجد حولك نوعين من الناس، نوع محب ونوع صياد، خلى بالك من النوع التانى لأنه بيكون صياد شرس، عايز يحوم حولك لحد ما يعرف يصطادك ويخنقك بإيده.

ويليام شكسبير فى مسرحيته ” تاجر البندقية” قال :

All the glitters is not gold

ليس كل ما يلمع ذهبا

وليس كل من قال أحبك أصبح حبيبا

وليس كل من صلى أصبح مؤمنا

وليس كل من أنجبت أمهاتنا أصبح أخا

وليس كل من غنى أطربنا

فجمال الذهب فى عتقه

والصاحب فى وده

والحبيب فى غيرته

والمؤمن فى قلبه

والأخ فى خوفه عليك

والمطرب فى ذوقه

 

إلى أن نلتقى .. دمتم سالمين

منة الله المشيرفى

التعليقات متوقفه