منى رضوان تكتب : سيد غريب و الشيروكي فهموا الفولة

2

(حضراتكوا بتاخدوا قرارات بملايين الجنيهات، فكل مرة بتمضوا عقد ؟ ولا الكلمة بتبقى عقد. العقد مبيعملش الحقيقة ، العقد بيثبتها بس).
جملة قالها احمد زكي او سيد غريب في فيلم التسعينات ‘ أضحك الصورة تطلع حلوة ‘، و هو فيلم من تأليف وحيد حامد و من اخراج شريف عرفة.
كان عندي ٢٢ سنة لما الفيلم دة اتعمل و عجبني في ساعتها لأنه جمع أتنين من اكتر الممثلين الي بحبهم و هم أحمد زكي و سناء جميل ، الفيلم خد وقته معايا و شفته كذا مرة و مثبتش في دماغي من الفيلم كله الا الجملة السابقة دي و فضلت ترن في دماغي من وقتها ليومنا هذا.
كل ما الواحد بيكبر بيربط بين جمل سمعها و بين واقع بيعيشه او تجارب بيمر بيها هو شخصياً ، و حقيقةً صدق البطل لما قال ان العقد مبيعملش الحقيقة بل هو مجرد اثبات لوجودها ، قالها البطل مستنكراً ان تكون العقود هي من تصنع الحقائق و تُلزم الناس بها.
بس الوضع علي أرض الواقع ان العقد المكتوب و ورقياته هي الحاجة الي بتفْرق مع الناس دلوقتي ، الشكليات أصبحت أهم حاجة و المعنويات اتركنت علي الرف او علي أحسن تقدير بقت بتيجي نمرة ٢.
شيء غريب جداً ان تتحول الحاجات اّلّي الأصل فيها الشعور و الأحساس لشكليات و عقود و اتفاقات مكتوبة و هي في الأصل علاقات و مشاعر و اشياء معنوية محسوسة.
خدوا عندكم مثلاً الجواز أو الفرح ، هو مجرد توثيق لرابطة مقدسة بين أتنين إختاروا أن يكونوا رفقاء درب و حياة مشتركة ، رابطة الزواج ذُكرت في كل الكتب السماوية و العقد فيها ما هو ألا إثبات لحدوثها. حالياً الرابطة دي ممكن تتفرتك و تبوظ علشان قايمة و نيش وان ازاي بنتنا ميمي ميجلهاش شبكة زي بنت خالتها سوسو.
مظهر اخر من مظاهر الشكليات الي بتثبت احنا بقينا سطحيين هو لما حد بيتوفي ، بتتحول مراسم الدفن و العزاء لشيء اشبه ما يكون عادات و تقاليد و حاجة اجتماعية مش حزن و واجب و فراق لعزيز غالي و فقد لحد بنحبه رحل عن دنينا و دعاء يحتاجه الأنسان الي اختاره الله الي جواره. اتعجب لما الاقي مراسم الدفن و العزاء و الوفاة و النعي الي في الجرنال بقت كلها اشياء اهم من الميت نفسه.
و لم تتوقف المظاهر عند كدة دي زادت اوي لدرجة اننا بنقّيم الناس بلبسهم و ساعتهم و عربيتهم و ساكنين في ڤيلا ولا شقة و بيصيفوا فين و بياكلوا ايه، و هل كانوا في مدارس عربي و لا لغات و لما دخلوا جامعات دخلوا حاجات خاصة ولا من ابو بلاش ولا كملوا تعليمهم برة .
من الأخر ، بقي الشكل الخارجي و مقوماته اهم من الشخص و روحه و قلبه ، أصبح المكياچ و الهدوم اهم من الجسد و الشخص الي لابس الهدوم دي .
بقي الحصول علي شهادة رفيعة المستوي حاجة بنبروزها في برواز خشبي قيّم و نعلقه في اوضة المكتب او الصالون و فوراً نكتب الشهادة في السي ڤي بتاعنا و ندور علي شغل جديد ، قيمة ورقة الشهادة فاقت قيمة اننا نتعلم و ننمي عقولنا .
نعد نتكلم و نٰدعيْ اننا بينا و بين ربنا عمار و نستشهد ببناء المساجد و الكنايس و بيوت الله و نطنش علي ما هو اهم من بناء كتل اسمنتية ، العبادة هي الأصل في وجود بيوت الله، دي مقامة علشانها. ان الله لا يحتاج الي بيوت اصلاً و بننسي المعاملات الي اولي نقوم بها علي اكمل وجه بينا و بين بعض و بينا و بين رب هذه البيوت.
عقود كتير علشان تاخد شكل قانوني لازم تكون مكتوبة بس ما اكثر العقود اللفظية و الوعود ، هو لما حد بيحب حد بيمضيه علي ورق ؟ ولا لما حد بيستأمن حد علي نفسه و ماله بياخد منه كمبيالات مثلاً ؟.
في قصة من قصص تراث الهنود الحمر (الشيروكي) و دول سكان امريكا الأصليين ، يقال ان في حكيم عجوز كان بيعد مع حفيده يديله دروس مستفادة من حياته. و في يوم برد و هم مولعين خشب و قاعدين بيتدفوا ، الجد قال لحفيده : انا هحكيلك حقيقة من حقائق الحياة المهمة اوي الي انا اتعلمتها، الحقيقة دي ان في داخل كل واحد فينا صراع عنيف بين ذئبين جوانا 🐺🐺، واحد منهم شرير و مفترس و دة ديب دايماً غاضب و حسود و جشع و مخادغ و كداب و بين ديب تاني و دة مسالم و وديع و عنده سلام داخلي و سعادة و محب و متسامح .
الصراع دة موجود عند كل الناس حتي انا و انت يا حفيدي و بيبان في تعاملاتنا اليومية و الحياتية مع بعض و مع الناس.
الحفيد بص لجده و سأله مين الديب الي هيننتصر في الصراع دة ؟ فرد عليه الجد و قاله الديب الي هينتصر هو الي احنا هنغذيه و نأكله اكتر ، احنا الي هنقويه ، فلو غذينا ديب الخير بالصفات الحميدة زي الوفاء و الأمانة و مساعدة الغير و الاحترام و الحب هو الي هينتصر اما لو غذينا ديب الشر و الناس حصل بينها فرقة و مشاكل و كره و خيانة و كذب يبقي الديب الشرير هو الي هيكسب.
العبرة من القصة ان اهم العقود في حياتنا هي عقود نوقعها طواعية احنا مع ضمائرنا في المقام الأول قبل ما نكون بنوقعها مع اي حد تاني ، العقد الي كل واحد فينا ماضي عليه هو عقد مع نفسه كطرف اول مع ديب الخير او ديب الشر كلٌ حسب اختياره .
أعتقد ان سيد غريب و الحكيم العجوز دة وصلوا لنفس النتيجة مع اختلاف الأزمنة … تظل حقيقة مؤكدة ان ضميرك هو عقدك الي علي بياض.
#اضحك_الصورة_تطلع_حلوة
#سيد_غريب_و_الشيروكى فهموا _الفولة

  1. سالي هجرس يقول

    كل مقالاتك جميلة يا مني و قريبة من القلب

    1. Mona Radwan يقول

      اشكرك يا سالي جداً – و مبسوطة فعلاً بمتابعتك 😊

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق