هانى أبو عقيل يكتب: حكاية الوادي الذي غاب عنه القمر!

0

عندما يتعلق الامر بحياة أكثر من 80 الف مواطن وحقهم فى الحياة والصحة فعلى الجميع أن يتحرى الدقة لكى نكون مُنصفين.

اولا: ردا على تساؤلات الجميع، من وجد اولا مصنع الاسمنت ام السكان؟!!!

اولا، وادى القمر موجود قبل بناء اى مصنع بغرب الاسكندرية، حيث ان المنطقة موجودة من سنة 1880، وهذا مثبت بخرائط مساحية من هيئة المساحة المصرية، ويوجد لدينا عقود بيوت وايصالات باللغة الانجليزية والفرنسية واليونانية، تعود لسنه 1890، وحجج نحاسية.
اما مصنع الاسمنت فتخصصت له الارض بقرار ملكى عام 1948، وباشر العمل والإنشاءات على الارض عام 1951، اى بعد وجود المنطقة بحوالى 100 عام او اكثر!

ولكى نعرف اهمية وادى القمر، علينا ان نرجع لكتب التاريخ حيث انها عند العرب قديما كانت تسمى باب القمر، وفى العهد اليونانى والانجليزى كانت تسمى (moon gate) (بوابة القمر) او استراحه القمر، ومؤخرا اطلق عليها وادى القمر، حيث ان جدودنا قديما كانوا عبارة عن مجموعه من الاعراب يسكنون بها ويزرعون الشعير ذات اللون الذهبى اللامع، والمنطقة كانت عبارة عن اكوام ملح ووادى منبسط كبير، فكان القمر فى الليالى القمرية يظهر كبير، فكان يعكس ضوءه على اكوام الملح الابيض الناصع البياض وعلى الشعير الذهبى اللامع، فيضيىء المنطقة والوادى كله، فسميت وادى القمر .. وعلى بعد 50 متر فقط كانت منطقة المكس، وكانت هى ووادى القمر منطقة واحدة لا يمكن ان نفصل بينهما، وسميت منطقة المكس لان هذه المنطقة متمثلة فى المكس ووادى القمر كانت منطقة فاصلة بين المشرق والمغرب، فكانت تجارة العرب والانجليز تمر من هنا وكانت تحصل الرسوم (اى المكوس وقتها)، فسميت منطقة المكس. وبها اعلى نسبة يود، حيث ان فرع من فروع النيل يصب ويتلاقى مع البحر المتوسط فى هذه النقطة.
وكانت منطقة للاستشفاء، وكان يوصفها الاطباء لمرضى الصدر، وكان يجلس بها الشعراء مثل احمد شوقى الذى قال فى بيت شعر «بين رملا ومكسا»، ويقصد بالرمل منطقة محطة الرمل ومكسا منطقة المكس. وكان الشاعر خليل جبران يجلس بها وألف قصيدته الشهيرة «الصخرة الصماء»، وهى صخرة موجود عند كازينو زفير الان وكان يقول فى القصيدة «ساو على صخر أصم .. وليت لى قلب كهذه الصخرة الصماء». وكانت منطقتنا مقصدا للجاليات اليونانية والانجليزية حيث كانت تسكن اسر كثيرة هنا كباقى مناطق الاسكندرية القديمة.

لك ان تتخيل كيف تحولت هذه المنطقة الرائعه، وجبال الملح واحواض الشعير، ومنطقة للاستشفاء، ومقصد للاجانب والشعراء، ومحمية طبيعية اكثر من رائعه .. كيف تحولت بفعل فاعل الى منطقة صناعية بها مصانع اسمنت وحديد وصلب وبترول وبتروكيماويات، حتى تحولت الى منطقة موبوءة بالامراض والسرطانات واصبحت من اكثر المناطق تلوثا فى العالم بعد ان كانت محمية طبيعية!!!

المشكلة الحقيقية تكمن فى وجود مصنع الاسمنت بهذه المنطقة، وليس باقى المصانع، لأن مصنع الاسمنت يقع فى الجانب البحرى للمنطقة فى الشمال، ويفصل بيننا وبين ساحل البحر، وهذه المنطقة ومناخ الاسكندرية ومصر عموما تكون فيه الرياح شمالية غربية معظم فصول السنة، وهذا ما يجعل المنطقة طوال السنة تحت مرمى الانبعاثات.
ولسنا نحن الطرف الوحيد المضار من غبار الاسمنت، فشركة المكس للملاحات وهى صناعة بدائية وقديمة بالمنطقة قامت برفع دعوى قضائية ضد الاسمنت، وحصلت على حكم لصالحها بتلوث منتج الملح نتيجة انبعاثات الاسمنت من خلال لجنة وخبير بيئى. وباقى المصانع ايضا كالاسكندرية للبترول، ارسلت عشرات الشكاوى بسبب تلف اجهزة حساسة بها نتيجة الانبعاثات وايضا مرض موظفيها نتيجة الغبار!

لك ان تتخيل ان مصنع الاسمنت فى منتصف 2015، تحول الى استخدام الفحم والزبالة ومخلفات الصرف الصحى، بديلا عن الغاز الطبيعى! وحرقهم داخل المصنع الاسمنت الذى يبعد عن بيوتنا بـ 10 أمتار فقط! وحرقهم لانتاج الطاقة مما ادى الى زيادة الانبعاثات ومعها زيادة الامراض الصدرية بكافة اشكالها والسرطانات بكافة انواعها، ضاربا بعرض الحائط كل القوانين والدساتير والاعراف البيئية المحلية والعالمية .. كل هذا تحت مرأى ومسمع كل الجهات المسئولة!!!

كل هذا ونحن على مدار سنين طويلة، نطالب بحقوقنا بكل الطرق السلمية والمشروعة، من خلال الصحافة والاعلام والقضاء، ونسعى جاهدين الى ايصال صوتنا للمسئولين لكى ينظروا الى قضيتنا .. والحل بسيط جدا، ويتمثل فى نقل المصنع خارج الكتلة السكانية الى مكان قريب من المواد المحجرية، وقمنا باعداد دراسة اثبتنا فيها ان تكلفة نقل المصنع، اقل بكثير من نقل السكان توفيرا على الاقتصاد المصري، لاننا نضع مصلحة الوطن العامه نصب اعيننا، ولأننا لسنا الطرف الوحيد المضار مثلما ذكرت فى معرض كلامي.

هذا جزء وليس كل من .. حكاية الوادي الذي غاب عنه القمر!

هانى ابو عقيل
13 يوليو 2018

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق