أحمد شرف يكتب :بين الفزع واليقين

أحمد شرف يكتب :بين الفزع واليقين

0
ربما تحركت عقارب الساعة لتعلن انتصاف الليل ، ربما تخطت حاجز الإنتصاف واقتربت من ضحى اليوم التالى ، أو ربما لاتزال الشمس محتلة كبد السماء تخطط لرحلة رحيلها اليومية ، سؤال يصارع من اجل العثور على اجابة ،
فى اى الأيام هو ،أهو السبت أم الأحد أم الخميس ،
لم يستطع ذلك البائس المشوش أن يحدد الزمن الذى يعيشه والمكان الذى يحيط به ، دوار شديد وذاكرة مفقوده ، كيان مهزوز وصورة مشوشة واحساس بالريبة ، شئ من الخوف وأشياء من الحيرة ، وعشرات الأسئلة التى تبحث عن إجابات شافية ، ماذا يحدث له ، أين هو ، كيف وصل إلى هما ،وما الوقت ، لا يعرف ،
هل انقضى معنى الزمن عنده ، ايضا لا يعرف ، وما ذلك المنظر الكئيب الذى يراه بمشهد رأسى مباشر ، ما هذه الغرفة الواسعة الخافتة الضوء شديدة البرودة ، ومن هؤلاء الاربعة الممدون امامه فوق الاربعة أسرة تغطيهم وتحجبهم عن ناظريه ملاءات بيضاء ، ولماذا لا يتحركون ، لا يهمسون ، ولا يسمع حتى صوت انفاسهم ، وكيف يراهم من زاوية رأسية رؤية الطيور المحلقة فى جو السماء للارض ومن عليها ، ماهذا السكون المخيف ، ماهذه الكئابة الشديدة ، أين أنا ، ومن جاء بى إلى هنا ، وما هذا المكان ، ومن هؤلاء ، بل ومن أنا ،
نعم من انا ،
وبين هذا الفزع وهذا السكون ، وبينما تتزاحم عليه الأسئله ، هدأ روعه نسبيا ، وكأنما تآكلت كل المشاهد من حوله ، ولم يبقى منها سوى نقطة صغيرة مضيئة امامه مباشرة ، فى منتصف الغرفة ، نقطة صفراء أحاطت بها هالة صغيره باهته ، انفلت منها شعاع فوسفورى سقط مباشرة على احد جدران الغرفة ، وفى لحظات بدا أنه يشاهد فيلما سينمائيا على الطريقه الهولوجراميه ، اثار المشهد انتباهه واخذ يتابع بتركيز واهتمام بالغين ، ليرى العرض بكل تفاصيلة ،
رأى غرفة صغيره وجمع من النسوة يلتفون حول امرأو شابة ممده على سرير نحاسى فى منتصف الغرفه ، تتلوى وتجز على اسنانها بألم شديد ،والعرق يتصبب من جبينها ، وعند قدميها تجلس عجوزا طاعنة فى السن ، وبعد دقائق لم يقطعها سوى صرخات الطلق ودعوات الحاضرات وعمل العجوز الدؤوب ، اعلن بكاء الوافد الجديد عن اتمام عملية الولادة ، ورأى السعادة تنفجر فى وجه الام ومن حولها بعد بشرى العجوز بأن المولود ذكرا ، وسمع تمتمات الشكر والحمد للخالق الرازق ، لفته العجوز فى لفافة بيضاء بعد ان نظفته ووضعته فوق صدر أمه وامرتها بارضاعه ،
وفجاة تجمد كل من فى المشهد ودخل الجميع فى سبات تام ، عدا المولود الذى اخذ جسده ينموا ويكبر بسرعه عجيبه ، ثم رآه يترك ثدى أمه ويزحف فوق السرير ، رآه يكبر سنة مع كل حبوة يحبوها حتى تشبث بملاءة السرير وهبط على ارضية الغرفه ، لكنه لم يعد يحبو ، بل وقف ، وكبر حجمه وتغيرت ملامحه كمن بات فى السادسة من عمره ، انقطع بث المشاهد لحظات ، ثم عاد على مشهد الطفل يجلس بين اقرانه من تلاميذ الصف الخامس فى المدرسة الابتدائيه ، ثم انقطع البث وعاد من جديد ، فرآه يعدو فى ملعب كرة القدم مع اصدقاءه وقد تغير حجمه وتبدلت ملامحه ، إنه الآن شابا فى السابعة عشرة من عمره ، لم يدم المشهد كثيرا حتى تبدل ورآه فى الجامعة يستلم شهادة التخرج ،
تبدل المشهد فجاة فرآه يقف بزي العسكرية حاملا بندقيته يؤدى حراسته الليلية ،
انقطع البث مجددا ، ثم عاد على مشهد مغاير تماما ، رآه رجلا مستلقيا فوق احد الكراسى العتيقه فى شقته وقد تجاوز الخمسينات من عمره وظهر الشيب فى شعره والعجز فى وجهه وزوجته التى تجاوزت الاربعين تحضر مائدة الطعام مع ابنتيه الشابتين ، بينما يجلس بجواره ابنه الصغير يشاهد احدى مبارايات كرة القدم على التلفاز ، انقطع البث مجددا ثم عاد فرآه مددا فى غرفته بجسد هزيل ووجه متجعد ، وزوجته الذابلة وابنه الشاب وابنتيه مكتملتين الأنوثة حوله يبكون ، والطبيب جالسا بجواره يكتب له انواع مختلفه من الأدوية والعقاقير ويوصى أسرته بالاهتمام به واتباع التعليمات ويحذرهم من التغافل عنه والتقصير فى خدمته ،
انقطع البث مجددا ، ولكنه لم يعود من جديد ، مكث ينتظره طويلا ، ولكنه لم يعود ، واختفى الشعاع الساقط على الجدار ، واختفت نقطة انطلاقه ، فاخذ يستعيد كل المشاهد التى رآها منذ دقائق ، واخذ يتسائل من هذا المولود الذى شاهدت لحظة ولادته وسمعت صوت قدومه للحياة ، ولماذا عرض امامى شريط عمره حتى انتهى به المطاف عجوزا مريضا ينازع الموت ، ثم صمت قليلا واخذ يستعيد المشاهد ويرتب معها افكاره المتشابكه ، وما كان منه إلا أن انتفض ، وسقط نظره رغما عنه على الجثامين الاربعة الممددة أمامه ، شعر بأنه سيجد اجابات اسئلته فى وجه احدى هذه الجسامين ، ولكنها مغطاة باقمشة بيضاء ، وليس أمامه إلا ان يتحرك صوبها وينزعها ليرى وجوه النائمين الاربعه ، ربما يجد ضالته تحت واحدة منها ، فتحرك حتى اصبح فوق الجسامين الاربعة مباشرة ، مد يده ليرفع الخرقة البيضاء عن احد الجسامين ، لكنه لم يستطع رفعها ، بل لم يستطع لمسها من الاساس ، فيداه تعبران القماش دون ان تشعر به او تؤثر فيه وكأنها يد شبحيه ، ارتجف بشدة ، وانتابته قشعريرة طويلة ، واخذ يفكر من جديد ويتسائل ، ما الذى يحدث ، لماذا لم استطع الامساك بالخرقة البيضاء ، لماذا مازلت ارى المكان ومن فيه من منظور رأسى ، ما هذا المكان ، من جاء بى الى هنا ، من هؤلاء ، ما الوقت الان ،
وبينما كان الجنون يحيط به ويكاد يطبق عليه ، انفتح باب الغرفه ، ودخل شابا يرتدى ثوبا ابيضا اتجه مباشرة ناحية السرير الاخير فى الترتيب ،
انحنى قليلا ليقرأ الرقم المدون عليه ، وما أن تأكد من الرقم حتى بدأ فى سحبه ناحية باب الغرفه ، وهنا أطل رجل خمسينى من الباب وأشار لزميله بيده أن توقف ، وسأله عن رقم السرير الذى يسحبه ، اجابه أربعه ، فقال له دعه قليلا فزوجته واولاده يريدون رؤيته قبل الغسل ، ثم ابتعد عن الباب واتاح لهم المجال ليدخلوا ، التف الجميع حول الجثمان المسجى امامهم ، ومدت الزوجه الحزينة يدها وكشفت عن وجه فقيدها الشاحب ، وما ان رأى ذلك المراقب الذى يتابع من مشهد رأسى مباشر وجه الميت أمامه حتى فزع وانتابته قشعريره طويله لا تنتهى وانقشع الضباب واتضحت الرؤيه ، ففى هذه اللحظة فقط تعرف على الميت ، فى هذه اللحظة فقط أدرك أنه لم يكن سوى روح فارقت جسدها ، وظلت طائرة ترفرف حوله تراقبه ، فقط تراقبه ،
وقد انقضى عندها معنى الزمان والمكان الذى عرفته فى الدنيا ،
الآن فقط تعرف على ملامح زوجته واولاده ، الآن فقط تذكر أسرته وذكرياته معهم ،
الآن أدرك انه هو الميت الذى يرقد بين اسرته بلا حول أو قوة ، اهتز كيانه وأدرك أنه لم يكن يشاهد منذ قليل إلا شريط عمره منذ ولادته وحتى مماته ، ادرك انه الآن لم يعد ينتمى لأى من الحسابات الدنيويه الضيقه ، لم يعد ينتمى لهذا الزمان وذاك المكان ، لم يعد ينتمى لجسد او كيان ، بل لم يعد ينتمى لهذه الدنيا ، وأدرك أنه كما رحل عن ذلك الجسد الدنيوى الضعيف ، سيرحل حتما عن هذه الدنيا ويعبر حدودها إلى حدود الخلود فى رحلة برزخية لا يعلم مدتها ولا كنهها إلا الله ،
نظر إلى زوجته واولاده الملتفين حول جثمانه مسلوب الحياة والروح والارادة فشعر بالحنين ، وأحس أنه يبكى ولكن بلا دموع ، شعر أيضا بالأسف على تلك الحياة القصيرة الهزيلة الشاقه ، والتى انتهى به المطاف فيها بأن أصبح جسدا يستعد للتعفن ، ورقما على احد جوانب السرير ، فما اقصرها وما ادناها ، كم هى رخيصه ، فلو أنه علم قدرها حقا لما بكى عليها يوما ، ولما هرول ورائها وحلم وتمنى واستكثر فى الآمال ، تأسف على ما ضيعه فيها من الفروض وأعمال الخير ،
تأسف على النزاعات والمشكلات والمراهنات والحقد والضغينة ،
تأسف على طول الأمل واتساعه فى حيز شديد الضيق،
وما أن رآهم يجرون السرير الذى يحمل جثمانه البالى حتى أسلم وجهه لله ،
وأصبح لا ينتظر سوى ملائكة يصعدون به إلى ماشاء الله ،
الآن أيقن أنه تجرد من حوله وقوته ولم يعد له بل لم يكن له يوما سوى حول الله وقوته ،
الآن آمن .

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق