رشا شمس تكتب : يُحـــكــــــــــــــــى أن

رشا شمس تكتب : يُحـــكــــــــــــــــى أن

0
يُحـــكــــــــــــــــى أن
استقرت جدتي في فناء الدار بعد ساعات طويلة من العمل الذي نراه جميعا شاقا، فتنظيف حجرات الدار و العناية بالأزهار التي تحيط جناباته و طهو صنوف مختلفة من الطعام الريفي ذكي الرائحة شهيّ المذاق أمر يحتاج الى جهد و قدرة على المواصلة قد لا تستطيعه عجوز كجدتي ، إلا أن فرحتها و سعادتها التى لا تخفى على كل من في القرية بزيارتنا الشهرية لا تضُخ الدماء في عروقها و تُشحذ همتها فتنجز الكثير من الاعمال في وقت قياسي يتعجب له الجميع ، وها نحن الان نتحلق حول جدتي ذات العينين الرمادتين اللامعتين ، فما أجمل حكاويها ، نسألها في براءة و عفوية ان تُخبرنا بقصة جديدة ، أمسكت جدتي بمسبحتها ذات الحبات الخشبية التي طالما اعتزت بها و شرعت تقول :
يُحكى أنه في زمن بعيد كان هنالك امرأة عجوز ، و كان للعجوز جرتان كبيرتان، تحمل كل واحدة منهما على طرف العصا التي تضعها على رقبتها، احدى الجرتين كان بها كسر جانبها بينما كانت الجرة الأخرى سليمة .
كانت الجره السليمة دائماً تحمل الماء كاملاً، بينما كانت الجرة المكسورة توصل نصف كمية الماء فقط ، وكان هذا حال العجوز لمدة عامين، تعود يومياً الى بيتها وهي تحمل جرة و نصف جرة مملوءة بالماء، بالطبع الجرة السليمة فخورة بكمالها، لكن ظلّت الجرة المكسورة بائسةً وخجلةُ من عدم اتقانها لعملها ، شعرتْ بالبؤس لكونها تستطيع فقط تقديم نصف ما صُنِعت من أجله،ولكن صبر العجوز عليها و مواصلة استخدامها لها دون حرص على استبدالها بأخرى ربما لضيق ذات اليد أو لغيره من الاسباب أمدّ الجرة بصبر على نقيصتها ، بعد مضي عامين من ادراكها لفشلها المرير تحدثتْ الجرة الى العجوز يوماً قرب جدول الماء قائلة :- أنا خجلة من نفسي، لأن ذلك الكسر على جانبي جعل الماء يتسرّب على طول طريق عودتك إلى المنزل“ .
ابتسمت العجوز قائلة: – هل لاحظتِ أن هناك زهوراً على الجانب الذي تمرين به، وليس على جانب الجرة الأخرى؟
ولأول مرة أدركت الجرة رؤيتها للأزهار ، صمتت و تابعت حديث العجوز التي استطردت قائلة : ذلك لأنني دائماً كنت أعلم بفيضك، لذلك وضعت بذوراً للأزهار على الجانب الذي تمرين به ، وكل يوم عند عودتنا كنتِ أنتِ من يسقي هذه البذور، ولعامين كاملين كنتُ محظوظة بقطف هذه الأزهار الجميلة لتزيين طاولتي، لولا كونكِ على ما أنتِ عليه ، ما كان لهذا الجمال أن يكن موجوداً ليُجّمل البيت فــلكل منّا فيضه الفريد فتلك الكسور والفيوض التي يملكها كل منا هي التي تجعل حياتنا معاً ممتعة وذات قيمة .
 
صممت جدتي الهنيهة ثم زفرت زفرة هادئة وطالعت عيوننا التي مازالت متعلقة بما تحكي و أردفت: – علينا أن نأخذ الناس بما هم عليه ونرى فقط الأجمل بداخلهم، ولا تنسوا أبدأ أن تستنشقوا رائحة الزهورالموجوده بجانبنا ، فلكل منا جماله الخاص…
اتذكر دوما جدتي الصبورة جدا ، الحكيمة جدا جدا التي دوما ما كانت تكرر : – انثر خلفك زهوراً واصبر قليلا حتى ترى النور يأتيكِ بين بتلاتها …
رشــــــــــا شـمــــــــس.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق