أحمد أب شادى يكتب : للزواج مذاهب

أحمد أب شادى يكتب : للزواج مذاهب

0
وللزواج مذاهب..
 
يسائلني الفتى أن يا شيخ الزمان، ألا تدلني عما ينير بصيرتي، ويكشف عن عقلي ما انسدل عليه من أستار الجهل ورهام التحير؟
قد رأيت الناس فى فنون الزواج تباينوا، وبهم اختلفت الطرائق والسبل، فأيها أسلك يا شيخي؟ وفي أي تلكم الطرائق أجد النعيم والمستراح؟
 
فمسحت لحيتي البيضاء، وأرحت ظهري المكدود، تسابقني بسمة الشفيق الحاني، وقلت له: يا ولدي.. اعلم أن للزواج مذاهب ثلاث، لا رديف لهم أو لاحق، وليس في أيهم راح ولا دعة، فالعيش عيش الآخرة يا ولدي، وما سبقها هو محض شقوة وعناء، فاسمع مني يا بني ولا تقاطعني حتى أُحْدٍث لك مما طَلَبْتَ ذكرا.
 
**المذهب الأول: الزواج عن حب
إن فراغ المشاعر وفائض الهرمونات إذا ما امتزجا وبلغا الفَوَار انسلَّ منهما هذا الحب وانثعب، هو حبٌ طاغٍ وباغٍ ولاغٍ، لا يسأم الإلحاح والاضطرام، ولا يرضى الهجر والارتحال عن سهوب القلوب القاحلة، يُعمي مَطِيَّتَه وإن أبصرت عيناها، ويستلب إرادتها وإن حُلَّت لُجُمُها، فتنزوى بوطأته عيوب العاشقَين، وتختفي تحت طيَّات الهوى، ولا تلوك الألسنة إلا أحاديث الغزل وتهامس المغرمين.
 
فإذا احتوتهما قبة الزواج السامقة، وتشبعت المشاعر الجائعة وارتوت، حتى خبى بريق ذلك الحب ووهجه، وغاب في عتمة الزمن تحت نير الأعباء ورماد الحياة، ولم يبدُ منه إلا خافت اللمعان، ومتذبذب النبضات، فقد انكشف ما كان مطويا من عيوب ونقائص، لتتجالد الألسنة دواما وتتجادل، وقد فَطِن كل قرين وأدرك أى خدعة استغوته، وأى حب مراوغ غبنه، وتتراقص كل يوم كلمة الطلاق على الشفاه وأمام الأعين الحائرة المتربصة، تُذكى جذوتها نفثات شياطين الإنس المحيط بهما قبل الجن.
 
غير أن قليلا من هؤلاء قد فقه ألاعيب الهوى وحذق مكائده، فعـقلوا عيوبهم وعايشوها، وبشئ من التوفيق والسداد أبقوا على جذوة حبهم وحموته وسط سيل الحياة المنحدر، ولسعات الحاقدين القاسية.
 
**المذهب الثاني: الزواج بالتوافق (زواج الصالونات)
اثنان ربطهما مصير واحد مرتَهَنٌ بقرارٍ غيرهم، زواج تبدى بعدما انساب القبول بخفة وهدوء بين عقول وقلوب الأهل ليسود البِشر وتفيض المباركات، وما أن ترخي هذه الحالة سدولها على الفتى والفتاة، حتي يطل من مطلع الرضا حبٌ خجولٌ هزيلُ القدِّ شَاحِبُهُ، لا يقتات إلا على توافق الأهل والانسجام، فهو حبٌ اكتَبَل بحبائل التعقُّل والتأني، هادئ اللهب، منتظم النبضات، يزيد مع الزمن شدة وقوة، ويضاعف تراضي الأهل ثبوته وتأرضه.
 
وهو على النهج ثابت، وعلى ذات الدأب رابض حتى بعد أن ينصب للزواج بناؤه، إلَّا أن يفقد العقل مقاليد سطوته، فهذا الزواج مملكة للعقل وربوعه، يسوسه بحكمته ويرعاه، ومتي فرَّط العقل وانفرط تقوَّضت أركان الزواج وحوامله، وظعن عن أرضه الحب وارتحل، ومن تَمَلَّك بالحيلة عقال نفسه، وألجم شواردها وتَفَلُّتَاتِها، فقد عصم زواجه وأرساه.
 
**المذهب الثالث: زواج المصالح
هو سوق نُصب بليلٍ، باع فيه من باع، واشترى فيه من اشترى، حتى إذا طلع الصبح، انفض وأفل.
 
فهذا يا بني تبيان سؤلك وحيرتك، فاختر ما شئت لدنياك وأنت لها مفارق، ولا تسألني عن حالي، فمثلي لن يجيبك، وليس عساه حالي أن يفيدك، فالطريق طريقك والسعي سعيك، فإذا انتويت زواجا فقد علمت مني بواطنه الخفية، وإني لمصيرك باكيك وراثيك، فاغرب عن وجهي سائما ولا تهيج في صدري شجوني، ويكفيك ما عكرت به يومي من ذكرى احدودب لها ظهري، ولم تورثني إلا الهمَّ والمشيب.

ايمان مهدى

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق