علم الدين يكتب : عَقد بائس!

علم الدين يكتب : عَقد بائس!

0
عَقد بائس!
“كان بؤسي ثقيلًا بحيث لا يتحمله عالمي؛ فأردت حمله للجحيم معي”
الآن وقد خططت أحرفي الأخيرة، وجب عليّ الرحيل، ولكن قبل الرحيل، لمَ أعذب العالم معي!، أليس ذاك البؤس لي وحدي، لكن ربما يجب على العالم تحمل عاقبة وجودي بينهم وفراقي أيضًا!، مَن أوجدني في تلك الظُلمة؟، أعتقد أنها لحظات شبق وقد وصلت لذروتها، إثنين من الحمقى استمتعان ولم يعِ أحدهم بما خلّفه من نطفةٍ، إذن ليس العالم بأجمعه هو السبب!، لا بل هو السبب، أليست تلك الورقة الرخيصة المُلطخة بالمداد هي الزريعة التي أنا حصادها!، كل شيء لعين من حولي، جل الحياة بغيضة، ذكريات مهترئة بعَفن الواقع، وجوه سوداء مُهمشة يغطيها المخاط من جوانبها، لفحات غبار مُعبأ بأنفاسٍ شرهة، شمسٌ تعلو في الأفق تحرق أعيننا!
هكذا ذكرياتي، لا أميز منها شيء، الوجوه الشاحبة، والروائح المُنتنة، والأتربة الصلدة!، هذا هو عالمي.
أخبروني لو رحلت سأذهب للجحيم!، مجموعة من العميان هم، أوليس ما نحن فيه جحيم؟!، حتى الجحيم الذي هناك يحاوطه العدل!
ثرثرة مقيتة تهجوني؛ بأن ليس لك الحق في رحيلك، ليس لي الحق في الرحيل!، عجبًا والمجيء لم يكن لي الحق ايضًا، إذن ماذا أنا؟، هل الحياة…، عفوًا هل هذا العبث هكذا، أعطني ورقة وهذا القلم الملقى هناك، نعم ماذا يسطرون؟، أظن… “أقر أنا بأن أفرغ شهوتي في جُعبة فتاتي المدعوة ب…حتى تنطفئ رغبتي”، هكذا هي الحياة صحيح!، إذن تعالي أيتها السحاقية!.
آه هل كان هذا هو ما رغبوه، قالوا لا شيء يدعو للبؤس، طعامٌ نتن، ومياهٌ راكدة، وجنسٌ رخيص!، ما بال هؤلاء!، لطالما قلت لهم أنتم بذلك تأتون ببائس جديد كل يوم، كيف تختلط ماء الأجساد على عفن!، ربما أرادوني مثلهم، وعندما خططتُ حقيقة عقدهم شعروا بأني سأنساق إلى شهوتي، لكني لم أفعل إلا تنبيههم، وليتهم عقلوا إلى نعتي لإحداهن!، أنا لم أصل للكمال حينها، كيف أصل إليه من الأساس وأنا مُفتقِر لوجهٍ نظيف على الأقل، الشمس ساطعة والهواء رطب، الأزهار تتهزهز، والندى يتساقط، أخبرني أحد البؤساء الصغار عن ذاك الوصف، خلجاتي حينها بدأت في الاهتزاز، فأنا صاحب الخمسة عشر عبثًا –كما أسمي العام– لم أرَ ما يتحدث عنه هذا الصغير النتن من قبل!، قررتُ حينها الخروج فلربما يقل سخطي على هذا العبث الذي نحيا فيه.
ضوء حارق، آه عيني!، أغمض جفني وأفتحهما شيئًا فشيئًا، هواء يلفح وجنتي وأشعر أنه يحاول أن يخترق خصلات شعري، لكنه فشل بالتأكيد!، أنظر يُمنة ويُسرة باحثًا عن ذاك الشيء الذي يتساقط من على وريقاته الندى، لويحظات قليلة وتكاثرت الأكتاف المحتكة ببعضها، روائح مُختلطة، وأحرف منطوقة متشابكة لا تدري ما كُنهتها، أحاول أن أخترق الأرجل المُتزاحمة علي أن أحظى بمرادي، أهرول بين جنبات الطُرق مُنزويًا بجانب الجدران مخافة أن يُلامسني أحدهم، أو أن تعبر إلى أنفه رائحتي، من بعيد وجدتها، رقعة خضراء باسمة في كينونتها!، هي ما أخبرني عنها ذاك الصغير بالتأكيد، سأحصل على مرادي الآن، سينقشع ذاك العبث عندما أضعها بين آنافي، يجب أن أُسرع إليها، هرولت حينها بوجهٍ فَرح، وقلب راقص إلى وجهتي، لكن بعض الأهات المكلومة أوقفتني، صراخ يبدو أنه لفتاة، أنظر على يساري إذ بزقاق بدا مُظلمًا بعض الشيء، غيرت وجهتي تجاهه، وعلى أطراف أصابعي غدوت ماشيًا، حتى وصلت لناصية الزقاق، وبتُ أسمع بوضوح ما يُقال
–أنتِ تسرقين خبزي أيتها البائسة الرخيصة، “صوت صفعة”، هل بدا لكِ أن صاحب هذا المنزل من المُغفلين يا حقيرة “وصوت صفعة أخرى”
ثم سمعت صوت أنثوي هذيل مُحمَل بالدموع وهو يقول
–لقد كانت كسراتٍ جامدةٍ أوشكت على العطب!
–هل تُكذبيني أيتها البلهاء “صفعة أخرى”، كنت سأشريها لبائع الخبز ببضع فضيات يا حقيرة، يجب وأن تدفعي الثمن.
–كما قلت لك يا سيدي أرسلني للسجن أنا أستحق العقاب.
–السجون ممتلئة بأمثالك يا مُنتنة، وفي السجن سيعطوكِ الطعام، فما الذي سأجنيه أنا!، عندي عقاب أفضل لكِ.
ثم أشار لما بين فخذيه، وقال
–كل يوم سوف تلعقيه حتى يطيب
ثم استرسل في الضحك، وأخذها من شعرها إلى داخل المنزل!
قطرات العرق غمرتني، أصابعي لا تكف عن الارتعاش، قدمي بالكاد تحملني، مشيت بضع خطواتٍ قليلة ثم نظرت إلى الخلف، فواجهني وجه غريب من إحدى الشُرفات المُطلة على الزقاق، وقد بصق ناحيتي، ثم تمتم بكلمات لم أعِ فحوها ودخل!، وحيث أنا لحظتها قررتُ أن أنزع الورود حتى لا يشُمها غيري، وهذا العالم لا يشُم إلا إذا أنفق، ولن تكون زهرًا بالتأكيد!
عُدتُ إلى حيث كُنت، مُحملًا بشتى أنواع البغض لهذا العالم وفي رأسي لا يدور سوى شيئين!

–أنت أيها البائس، ألم تنتهي مما أنت فيه؟
–ماذا تُريد مني؟
–لا أريد منك أكثر مما يفعله أترابك
–سأفعل، ولكن عندي طلب واحد
–هات ما عندك ولننتهي من عبثية الأطفال تلك
–في الجوار يقطن منزل، فيه شيء أريده
ضحك الرجل حينها ضحكات مسترسلة ثم قال
–تلك الأشغال غير تابعة لنا، لكن لك هذا بشرط لنا النصف
–لكم كل ما في المنزل إلا فتاة!
صمت قليلًا ثم ضحك وقال لك ما تُريد خذ إثنين ونفذ الليلة.
ما زال وجه الرجل –صاحب المنزل القاطن في زقاق البؤس كما سميته– أمامي بكل خلجاته المُرتعشة، وتوسلاته الحمقاء، أوصاله تتخبط، والدماء تُحيط أنفه الغليظ، ولا يقول سوى شيء واحد
–أنا بائس مثلي مثلك، أرجوك أنت كابني، أنا عجوز ابيضّ شعري، وهزل جذعي، ألا ترحمني!، لا يجب عليك أن تكون في الزقاق النتن هذا، لقد ضللت بالتأكيد، هذا القصر الذي هناك على قارعة الطريق، هو مقصدك، أما هنا فلا شيء غير رائحة عفنة، وطعام مُتشحم بالوسخ، أنت في المكان الخطأ بالتأكيد.
 
لا أدري حينها كيف تركته بعدما أخذت بائستي الصغيرة، كل ما كان يجول في عقلي بضع كلمات، “أنت في المكان الخطأ بالتأكيد”، نعم أنا في المكان الخطأ.
 
–مُخدرات!
–نعم، عليك أن تبيع المُخدرات، ليس عليك شُبهة، ولا يعرفك أحد من مُتحذلقين الشرطة، ستكون غنيًا إذا كنت ذكيًا، ولن تضطر لأن تبيت هنا وتلك الحُلوة معك في هذا العفن، وسوف تقدر أن تُمارس غريزتك الحيوانية على الإسفنچ لا على العفن كما تقول.
ثم أخذ في الضحك.
–حسنًا موافق.
 
الآن لم يعد الإسفنچ، بل هو حرير مُزركش، أضواء مُتباينة نورها يُحيط الأرجاء، رجال ببذاتٍ ذات أزرارٍ لامعة، وعلى أطرافها راية البلاد، تبدل العَفن بالكامل، فلم يُصبح ظاهريًا، روائحهم عطرة، ربما عطرهم هذا لا يدخل أنفي، ولكن الأكيد أن العَفن لا يستوطنهم، عاريات تتمايل هنا وهناك، كاسات لامعة تحوي بداخلها مشروب الانتشاء كما يقولون، وعلى أطراف المنزل الفسيح، جالس رجل بدين بعض الشيء، ويقف من وراءه ثلاثة أشداء، وتتمايل فوق فخذيه إحداهن.
–سيدي كيف حال مزاجك اليوم؟، أخشى أن نكون لم نقدر على تحسينه!
–لا لا استطعتم، ولكن الصنف هذه المرة لم يجعلني مُنتشيًا، لقد فعلتها الفتاة أقدر منه.
وأخذ يضحك
–نحن في خدمتك وتحت إمرتكم سيدي، وبخصوص الصنف، فالحكومة للأسف ضيقت علينا الخناق مؤخرًا بعض الشيء.
–الحكومة!، “أخذ يضحك قليلًا”، سأرى هذا في اجتماع أعضائها غدًا، والآن سأرى تلك الأنوار الخافتة الجديدة في تلك الغرفة، مع تلك الحسناء “قام من مكانه وفي يده تلك العارية وهو يضحك!”
–بالتوفيق سيدي!
 
وها قد مرت الأعوام عليّ وها أنا الآن في غرفتي بائس كما كُنت قديمًا في كل شيء، أما عن هؤلاء الحمقى الذين يمتدحون رائحتي بين فينة وأخرى، ويتغزلون بملبسي كل حين، ويستعطفون رضائي بكل أنواع الزهور، لا أدري ما الذي أعماهم عني؟، ألم يعرفوا ماذا كُنت أنا!، لا أعتقد أنهم يعرفون، وإلا ما كنت أصبحت أجلس في اجتماعاتهم لتحديد مصير البؤساء!
لكن بعد اليوم سيعرفون كل شيء، وتلك المسجاة على سريري، يجب أن تذهب بعيدًا، فإن أنا أنقذتها قديمًا من صاحب كسرات الخبز العطبة، أما اليوم فلن أكون لأقول لهم لسنا نحن بقاتلين البؤساء، فكيف ونحن منهم!
إذن سنرحل سويًا عزيزتي، فإن كان للجحيم فلا بؤس هنالك، لا تقلقي.
لم أشعر إلا والدم يتساقط من كلينا على ورقة مصبوغة بمدادٍ أزرق بعنوان عقد البؤساء!

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق