ساهى صلاح الدين تكتب: قلب جديد

ساهى صلاح الدين تكتب: قلب جديد

1
٢٠ ابيب ١٧٣٣
وقفت بجانب فراشها في المستشفي …
أمسك بأصابع يدها .. التي أنهكها المرض ..
اتذكر عدد المرات التي مرت بأصابعها علي شعري منذ كنت طفلا رضيعا تحتضنه …
واغمضت عيناي .. هذا الألم لم يعد محتمل …
رؤيتها تذبل امامي يوما بعد يوم .. يقتلني ببطء
وافتح عيناي لاجدها تبتسم الي وتقول بصوت أضعفه المرض … انا كويسه يا حبيبي ما تخافش ..
كانت تدرك تماما مدي خوفي ورعبي من فقدانها
وهي الركن الحصين التي طالما اختبأت من أيامي فيه …
وبدأ العام الجديد منذ ايام …
وانا ادرك انه عامها الاخير …
وافاقني هذا الالم في صدري …
وقبلتها في جبينها وقلت هرجع لك تاني يا ماما
لم أعد احتمل الالم … ذهبت الي صديقي …
الذي صرخ في وجهي وقال قلبك سينهار في اي لحظه ارجوك اتركني أضع اسمك في جدول عملياتي اليوم …
لا يمكنني ترك أمي … لا اريد ان أضيع دقيقه من الساعات الباقيه في عمرها …
وقمت من فوري لأذهب لامي …
وبمجرد وصولي الي المستشفي داهمني الألم مره اخري ..
ووجدت أنفاسي تتصارع ولَم احتمل وسقط علي الارض
وافقت لاجدني في غرفة المستشفي …
نفس المستشفي التي ترقد فيها أمي …
وصديقي بجانبي .. يبتسم ويقول خضتنا عليك جدا ..
ان شا الله هنعمل العميله بكره …
لم استطع الرد أو الرفض …
فأنا ادرك تماماً خطورة وضعي …
وإني بحاجه شديده الي قلب جديد ….
طلبت فقط ان اري أمي قبل العمليه …
قبلت يدها … وتنفست رائحتها …
وفتحت عينيها بصعوبة وابتسمت …
ثم غابت من جديد …
ونجحت عمليتي … ووقفت من جديد علي قدمي ..
بقلب جديد … وبندبه تمتد علي صدري …
وكأن الله منحني هذا القلب الجديد …
لاحتمل صعوبة فراق أمي …
فقلبي القديم … لم يكن ليتحمل كل هذا الألم ..
اتذكر اخر كلماتها ..
“حبيبي ربنا هيكرمك .. وهتقول أمي قالت ” ..
وقفت يعتصرني الألم وانا ادفنها …
وأتلمسها لآخر مره …
وعدت الي حياتي … روتيني اليومي …
عملي … بيتي … مسؤلياتي …
ولكني لم أعد نفس الشخص …
وكأني أعيش حياه ليست حياتي …
وكأني أعيش حياة شخص آخر …
أهو الحزن علي أمي ؟؟
أم هو هذا القلب الجديد ؟؟
الذي منحني حياه جديده ….
أيعقل انني سأعيش حياه غير حياتي التي اعرفها ؟؟؟
أصبحت احيا في ترقب … ترقب داخلي …
لا يستشعره احد غيري …
وكأن هذا القلب عنده حياه اخري يعيشها …
وكنت اجلس أتأمل ايّام هذا الرجل الغريب …
وحياته الجافة … واجد هذا القلب يلفظ هذا الجفاء ..
لدرجة أني احيانا كنت اشعر في بعض المواقف …
ان قلبي يريد التوقف عن هذه الحياه التي تشبه الأفلام الصامته … التي تخلو من الألوان والاصوات …
وحاولت ان امثل السعادة … افتعلها …
كنت اهرب من نفسي … في الآخرين …
ابحث عن ضحكتي … في سعادة الآخرين …
وقررت ان اذهب في رحلة …
ابتعد عن حياتي التي اعرفها …
وابحث بعيدا … عن حل …
محاولة هروب اخيره … أو مواجهه أكيده …
وكل يوم يؤكد لي ان هذا القلب …
لاتناسبه هذه الحياه …
وفجأة ظهر طيفها امامي ..
انتبه قلبي وخفق … ولكن عقلي رفض التوقف ..
وأعماني عنها … ثم مره اخري …
وقفت امامي .. عينيها الحالمة مليئة بالسعادة …
وابتسامه شفتيها تنبض بالرقه والعذوبة …
ونظرت مباشرة الي داخل قلبي وكأنها تحدثه …
كأنها تراه … وتطمئنه …
كلمات قصيره مفعمه بالمشاعر …
نطقت بكلماتها واختفت سريعا من امامي ..
ووقفت لا ادرك أكانت حقيقه ؟؟؟ ..
أفعلا خفق قلبي ؟؟ من هي ؟؟
وكعادتي … أمسك عقلي بزمام الأمور …
وأخفي كل أثارها ..
في هذا الركن البعيد المهجور بداخلي ..
فقط كلماتها ظل قلبي يرددها حتي لا ينساها …
وعدت الي حياتي الفاتره … عمل … رحلات …
نفس الوجوه … نفس القصص … نفس الضحكات ..
ويظهر طيفها مره اخري … وابتسامتها …
وتحرك قلبي مره اخري … وخفق ..
ووجدتني ابحث عنها .. أفكر فيها ..
ابتسم لنفسي من كلماتها ..
وأكملت باقي تفاصيلها من صوتها …
وبدأ قلبي ينبض لاجلها …
وعقلي يصارعه … فلا يستطيع رده ولا ردعه ..
فقد استولت علي جزء منه هو الاخر …
ورأي فيها الكثير والكثير …
امرأه بقلب طفله ….
تغالب أحزانها … بضحكاتها المرحه …
وتنسي أحزانها .. بحكايتها التي لا تنتهي ..
تقفز من موضوع الي موضوع …
فأشعر بقلبي يهرول خلفها ….
وعقلي اصبح يتراجع ليحلل كلماتها …
فيزداد اعجابا وانبهارا بها …
وبدأ عقلي يصدر صرخات استغاثة …
فالوضع اصبح خطير …
وابعدني عقلي عنها عدة ايّام …
كان قلبي في هذه الأيام القليله …
وكأنه مريض … احساس افتقاد مميت ..
وعاد عقلي للاقتراب منها بحذر …
وقلبي يهفو اليها .. يحلم بها في صمت …
وانتهي عقلي .. بعد عمليات حسابيه منطقيه ..
الي ان وجودها ربما يحمل لي بعض السعادة ..
ربما يضيف بعض الألوان الي حياتي ..
وقرر عقلي ان يبشر قلبي ..
انه يسمح له بالاقتراب …
فوجد قلبي قد غرق تماما في حبها ..
وأصبح يعشق هاتين العينين …
وكأني أتنفس لأول مره …
ودبت الحياه في كل أيامي ..
أصبحت أفيق لأبحث عن كلماتها …